”المال واللسان“ مخزون الإنسان الاستراتيجي
في التفكير الاستراتيجي يكون النظر دوماً إلى الأبعد، حيث الهدف لا يمكن الوصول إليه إلا عبر استعدادات قبليَّة، تتفاوت خطواتها ما بين الكثرة والقلة والطول والقصر، حيث كل خطوة لها مشكلاتها كما لها حلولها الناتجة عن جُهد الإنسان وعطائه، ومثالهُ صاحب مصنع يوشك على الإفلاس، وضَع هدفاً في بداية إنشائه؛ يتمثَّل بالسيطرة على السوق، لكن جودة بضاعته رديئة ما تسبب له بخسائر كبيرة، هنا يحتاج للمراجعة، ثم إعادة الإنتاج بمواصفات جديدة تغري المشتري، أو بتعديل الجودة وزيادة المتانة والكفاءة، فمرحلة ”المراجعة“ لا بد منها حينما يتعلق الأمر بتحقيق الأهداف البعيدة.
الإنسان مخطِّط استراتيجي، وفي تخطيطه يحتاج إدراك الفوارق بين الأشياء وتحديد مزاياها وعيوبها بدقة؛ من أجل أن يأتي تشخيصه سليماً، وإلا وقع في الخطأ القاتل المتمثل بالجهل، الذي يعدُّ ألد أعداء النجاح، إذ التضليل والخداع لا يقودان إلا إلى الفشل، والفشل الواحد حينما يتضاعف يؤدي إلى نكْسة، والنكسة تُصيب حياة البشر الذين يفشلون في تحقيق أهدافهم البعيدة، وهذا ما يؤكد أهميَّة ”التخطيط الاستراتيجي“ المُحكَم، الذي يعتمد على عنصرين أساسيين: المال واللسان.
المال رمز القوة والسيطرة والنفوذ والاستحواذ والتحكم، فهو عصب الحياة وما يجعلها أسهل وأفضل، والاهتمام بالحصُول عليه وتوفيره يعتبر لدى البعض من الأهداف الكبرى، لكنه ليس هدفا استراتيجيًّا، إذ مجرد الجمْع والكَنز لن يعدو أن يكون تراكماً، والتراكم لا يوصل إلى ”الأهداف البعيدة“، وإنما يضع القدم على بداية الطريق، فلأجل أن ينجح المصنع ينبغي أن يمتلكَ صاحبهُ المال اللازم لتشغيله، وكذلك اللسان ينبغي أن يمتلك صاحبهُ لغة مناسبة لتشغيله!
اللسان أيضاً رمز للقوة والسيطرة والنفوذ والاستحواذ والتحكم؛ إذ الإنسان يأمر به الآخرين ويسحرهم بأحاديثه فيُسِيطر على عقولهم، وحينما يقدِّم لهم الوعود يمتلك نفوذاً يستحوذ على قلوبهم ويتحكَّم بمشاعرهم، بهذا يتساوى التأثيران؛ تأثير المال وتأثير اللسان، وسيغدُوان ”المخزون الاستراتيجي“ للإنسان، ينهلُ منهما متى أراد، وإذا كان الإنفاق للمال يؤدي إلى نقصه، فإن إنفاق اللغة يؤدي إلى زيادتها، وهو ما يجعل الكفَّة تميل دوماً إلى اللسان.
يميل الإنسان إلى زيادة مخزونه الاستراتيجي من المال؛ تحسُّباً للمصائب والأيام السوداء، التي يمكن أن تجعل حياته سيئة؛ لذا سيكون المال ”الملاذ الآمن“، إما بشكله السائل كعملة ورقية ومعدنية، وإما بشكله الصلب كأصول من الذهب والمباني والمزارع والمصانع، فالمخطِّط الذكي من يزيد أصوله ويتركها تنمو وتتفوق على إنفاقه، حتى إذا احتاج يوماً وجدها تغطِّي تكاليفَهُ وتوفِّر له ولأسرته حياة كريمة مستقرة.
اللغة كذلك في حاجة إلى مخزون استراتيجي يتكئُ عليه الإنسان، وإلا توقف تأثيرها وتجمدت عند حد معين، لا تستطيع بعده التَّأثير وامتلاك السحر، وهذا المخزونُ ينبغي أن ”ينمو“ بلا توقُّف، ولزيادته طريقتان: أولاً القراءة والاطلاع وامتلاكُ المعلومة، فبدونها لا يمكن للمخطِّط أن يصل إلى هدفه، وثانياً مراقبة الأساليب والطرق التي يتم بها التعبير عن المعاني والتأثير على الأشخاص، وهما الأمران اللذان يقودان للنجاح وتجاوز الإخفاق.
اللغة والمال لا يتوقفان عند حد ولا ينتهيان من النمو، إذ امتلاكُ المفردات والأساليب يحتاج أعماراً مديدة، مثلما هو امتلاك العملات والأصول، وكلما اعتقد إنسانٌ أنه وصل النهاية اكتشف حاجته لبذل المزيد من الجهد، فيستمر في الجمع والكنز لزيادة مخزونه، الذي سيكون الأداة الأهم في ”تحقيق الهدف الاستراتيجي“ الذي وضعه نصب عينيه؛ كنجاح مصنع، أو نيل شهرة، أو تأثير في الأخرين عبر الكتابة والكلام، كما يفعل الشعراء والخطباء والقاصون والأدباء.












