آخر تحديث: 14 / 3 / 2026م - 10:41 م

لن أنكسر!!

عبد العزيز شروفنا *

بعد طول غياب دام عدة سنوات، إلى الديوانية التي تعود الحضور إليها ومجالسة مرتاديها، الأصحاب وما أكثرهم، والذين يهشون في وجه وحيد مبتسمين، ولكن ما تلبث أن تتحول إلى زبد يرغي، وهناك من الأصدقاء الذين كان يظن بقربهم منه، سرعان ما يفتقد حضورهم عند الحاجة إليهم، ورغم قلتهم، إلا أنهم يظلون يحملون صفة الصداقة إلى أن يحين وقت اختبارهم، ومن الأفضل أن لا يختبرهم فالنتيجة محسومة بالنسبة إلى وحيد. فهناك من ينفر منه لسبب غير واضح أو في بعض الأحيان لنصف سبب، وهناك من ينقلب عليه، أو يتقلب على وجهه، أنصاف أصدقاء يمكن التعايش معهم، فطالما بقيت الديوانية المكان الوحيد الذي ألفه وتعايش مع مرتاديه، تعود المجيء إليها من سنين صباه وشبابه المبكر، حتى قرار تركه لها، والتي استمرت سنوات لا يذكر عددها، كان تركه لها باختياره المحض، حيث فضل الانزواء طوعًا، واقتصار علاقته بزملاء العمل ورعايته لوالدته المريضة.

استمر به الحال حتى رحيل أمه عن الحياة بعد معاناة طويلة من المرض والوهن النفسي والجسدي، فقرر وحيد استئناف العودة إلى الديوانية وهو ممزق بين الحماس والخوف والتردد، وبنصف كيانه النفسي والمزاجي، أو ربما بأقل من ذلك، راسمًا في مخيلته عدة تصورات للاستقبال. فلم يرفع سقف توقعاته، ولكنه كان يأمل في داخله أن يكون استقبال أصدقائه له حارًا، ولكن ذلك الأمل لم يرق إلى اليقين، لأنه وضع احتمال أن لا يكون كذلك، فربما يكون استقبالهم له دافئًا أو باردًا، أو حتى بدون استقبال. وأضاف إلى تلك التوقعات تصورات معاكسة، فربما سيبدي بعضهم استنكارًا لهذا الرجوع غير المتوقع، أو أن يكون من المنسيين، هي مجموعة هواجس اعتصرت جميعها لتشكل رؤية ضبابية لما سيكون عليه الحال، إلا أن تلك الهواجس سرعان ما تبددت حينما وطأت قدماه تلك الديوانية التي رآها قد تغيرت جذريًا، وأصبحت أكثر رحابة، وأجمل رونقًا، وتزينت بمصابيح زاهية، وأعيدت هندستها لتصبح أكثر عصرية وجاذبية، وأضيفت إليها نقوش جدارية بطريقة الفن المغربي، وأعيد توزيع إضاءتها، ورصفها بنوع من الرخام الأنيق، حتى بدت وكأنها صالة أفراح مميزة.

لقد أذهل وحيد العدد الكبير من الناس، وجوهًا بدت له معروفة، وبعضها غريب، ولكنهم جميعًا ينتمون حسب لهجاتهم، وطريقة تعاملهم إلى روح وأصالة المنطقة. فقد كانت كلمات المجاملة اللطيفة هي السائدة، وروح البهجة والدعابة وحرارة الاستقبال هي ما كان يميز الحضور، حتى إنه صار يحدث نفسه معاتبًا عن الوجل الوهمي الذي كان يساوره قبل المجيء إلى هنا. تأمل المكان الذي أصبح أكثر اتساعًا وابتهجت نفسه المكتئبة. صار وجهه القمحي أكثر نقاوة. واتسعت حجرات عينيه البنيتين، وزالت عن كفيه رطوبة القلق، وحل محلها الدفء والسكينة. رائحة البخور تفوح من جميع أرجاء الديوانية مما أضاف إلى جوها رونقًا وجمالًا.

لفت نظر وحيد ملابس الحاضرين الزاهية، وطريقة ارتدائهم للغتر والأشمغة العصرية. كان منظرهم وهيئاتهم يضيف إلى المكان تألقًا، ويضفون عليه ألفة ورونقًا من الجمال. فكانت البهجة والابتسامة تعلو وجوه كل من صادفهم وهو يشق طريقه بين جموع الحاضرين. حتى أنه شعر للحظة وكأنه في عالم من الأحلام الجميلة، أخذته الذكريات إلى أيام الطفولة البريئة، حينما كان يسبح في عوالم منسوجة من الخيالات الوردية، وأحلام اليقظة المرسومة من قصص الجدات والأمهات، ولكن ما يراه الآن حقيقة لا تخطئها العين، مشاعر متدفقة من الود المصحوبة دائمًا بابتسامات رقيقة، كانت تغدق عليه بكرم كبير من الحاضرين. وبالأخص من المعارف القدامى، الذين لم يلتق بهم منذ مدة زمنية طويلة.

ابتدأ بعض معارفه بمصافحته، والسؤال عن أحواله، ولكن مصافحته لم تقتصر على معارفه أو رفقاء الديوانية القدامى، بل شمله الترحاب من عدد كبير من الحضور، وكأن عدوى السلام عليه أصابته من جميع الحضور. حتى أنه شعر بالارتباك، ولكن طابور الناس من المصافحين جعله يتماسك، فلم يعد السلام والترحاب مقتصرًا عليه، بل شمل الواقفين معه في الصف. وعندما رأى الواقفين على جنبيه يقومون بالتحية على أكمل وجه، ازدادت شهيته لمضاعفة الترحاب، ورد التحية بأفضل منها مضاعفة، حتى إنه كان يبادر إلى احتضان الأشخاص الذين يبادلونه ببعض التحية، يقابلهم بطيبة قلب وطهارة نفس وبحرارة تنم عن مشاعر التقدير والاحترام، ويضيف إلى حرارة المصافحة نظرات لطيفة، مصحوبة بمشاعر التقدير والود التي ميزته عن بقية الواقفين، وبينما كان يتأمل الحضور، وجد نفسه وقد انتظم في صف من الناس الذين يعرف بعضهم من زمن بعيد، أما البقية فقد كانوا من الشباب اليافعين الذين وجدوا صدفة كي يتعرفوا على بعضهم بعضًا، حسب اعتقاده.

عندما وجد وحيد نفسه بين عدد من الناس، هكذا وبدون مناسبة، ظن أن عادة جديدة استحدثت، حيث بدأت أعداد من الحضور تمر للسلام عليه وتحيته، وتصافحه بما يليق به، ومن ضمنهم عدد من المعارف الذين يرتاح إليهم، صحيح إنه لم يعرف السبب الحقيقي لهذا الاصطفاف على هذا النحو، ولماذا أصبح فجأة مع هذه المجموعة التي لا تربطه بهم علاقة، متسائلًا باندهاش بينه وبين نفسه عن سبب كل هذا الاهتمام بشخصه، وبحرارة التحية له، وكأنه أصبح من طبقة المجتمع المخملي، علمًا بأنه كما هو لم يتغير في وضعه المعيشي شيئًا ذا قيمة، فلم تنزل عليه الملايين من الريالات، ولم يصبح بين عشية وضحاها من أصحاب المناصب العليا، حاشا الله، لم يكن كذلك، ما عدا أن يجعله الله ثريًا، وهو لم يرث شيئًا سوى بيت عتيق، لم ترض به كل من طلب الزواج منها، بسبب صغر حجمه، وأثاثه المتواضع وحالته العتيقة، وجدرانه المتصدعة، كما أنه لم يحظ بمكانة اجتماعية مرموقة حتى ينهال عليه هذا العدد الكبير من المرحبين!

”لماذا كل هذا الاهتمام بي؟“ ازدادت دائرة تساؤلاته ودهشته مع نفسه، ”إنني ما زلت ذلك الإنسان البسيط، أملك سيارة قديمة ظللت نوافذها بنوعية معتمة من شرائح التظليل، حتى لا يعرف الأحبة والوجهاء بأنني لا أملك سوى هذه السيارة المهلهلة!“ صحيح إنه يعتني بهندامه، ويضع قلمًا في جيبه، أهداه أبوه مديره تكريمًا له على انتظامه في العمل، وعلى طاعته وإخلاصه في إنجاز كل ما يطلبه منه رئيسه المباشر. إذًا لا جديد يجعل كل هؤلاء الناس يقبلون عليه بالتحية والترحاب!

سيل من التساؤلات المفتوحة يحوم في ذهنه دون توقف، يحاول الهرب منها، ومن الأفكار المختلطة والعقيمة، إلا أن تلك التساؤلات والأفكار لم تتمكن منه، ولم يكن بمقدورهما أن تقف في وجه حماسه، واندفاعه صوب جموع الناس، طابور من المنتظرين للسلام يمتد إلى أبعد من نظره، والأعداد في تزايد، ليس بينهم من المعارف إلا القليل، ولم يكن هناك وقت للحديث مع أحد منهم بسبب كثرة أعداد الناس.

من كثرة الأعداد التي ملأت صالة الديوانية، لم يتمكن وحيد من النظر إلى ما بعده ولا ما قبله، لم ينتبه أيضًا إلى أن الذين يقفون في الصف أصبحوا مثله، يحظون بالتحية الحارة بالإضافة إلى تلقي التهاني. وعندما انتبه إلى بعضهم، لاحظ الناس يولونهم تحيات حارة لا تقل عن حرارة مصافحته، ولكنه انتبه إلى بعض من الذين يعرفهم كانوا يمدون إليه أيديهم باردة، وكأنهم للمرة الأولى يتعرفون على شخصيته، ولكنه لم يكن مهتمًا بذلك، ولكن بعد حين، ومع تزايد أعداد الناس المرحبين، انتابه بعض الملل حتى إن فكرة راودته التخلص من هذه المجاملات التي لا نهاية لها، والإفلات من العناق والاحتضان والمصافحة. ولكنه تراجع في الحال عن الفكرة، لأنه افتقد هذه النفوس الطيبة لفترة طويلة من حياته، وهاهم الناس يكرمونه بمحبتهم، ويغمرونه بدفئهم، حتى إن محبة عدد منهم كانت أكثر مما كان يتوقعه، إلى حد أنه شك لفترة بأن الناس مشتبه عليهم بشخصه، تساءل في نفسه: ”يا الله هل أصبحت شخصًا مهمًا دون أن أعلم؟ ربما يظن هؤلاء الناس بأنني شخص مشهور أو أحظى بميزة استثنائية، وقدرات غير عادية، ولكنني أنا كما أنا، لم يزد عندي الثراء بوصة واحدة! ولم يحدثني أحد عن قدراتي الاستثنائية إلا مديري حينما يطلب مني البقاء في العمل إلى ساعات متأخرة من الليل! إذًا ما الذي يحدث بحق السماء؟“

في لحظة من اللحظات يشكك في نفسه، وازدادت ظنونه، هل أصبحت شخصًا آخر دون أن أعلم؟ وعندما لم يجد جوابًا شافيًا لتساؤلاته وظنونه، قرر أن يواصل مشوار المصافحة والترحاب، قائلًا في قرارة نفسه: ”يجب أن أزيد من قبلاتي وأحتضن هؤلاء الرائعين من أبناء بلدي، ربما هناك شيء ما لم أعرفه أو غائب عن ذهني! ستكشف الأيام عما كنت أجهله في نفسي، ولكن وكما كانت والدتي المرحومة تكرره، المحبة من الله.“

وهو على ذلك الحال، تسللت مشاعر العز والاعتداد بالنفس، وازدادت قابليته لمصافحة الكبير والصغير، معاتبًا نفسه بأنه لم يعطها حقها في التعبير، حتى إنه لبرهة من الزمن شعر وكأنه ضيع السنين والفرص دون أن يستثمرها في تطوير علاقاته بالناس الطيبين، ولكن هؤلاء الناس ظلوا ودودين، وصادقين في محبتهم، وأوفياء له رغم ابتعاده عنهم طيلة السنوات الماضية، تلك الخواطر المريحة أحالت اللحظات إلى نعيم يدغدغ النفس، وأصبحت الدنيا أجمل، وبهيجة إلى حد المتعة.

العجيب في الأمر أن سيل الناس لا يزال يتقاطر. حتى إن أشخاصًا من بين الجمع لم يخطر ببال وحيد أن يراهم بينهم، فمن بين الأشخاص الذين لم يتوقع رؤيتهم في هذه الديوانية خصيمه «سعود» الذي وجده بين الجموع المصطفة للسلام عليه، قال مخاطبًا نفسه: ”نعم سعود، هو بلحمة وشحمة، ولم تخطئه بصري ولا بصيرتي“. هذا هو سعود الذي عاداه منذ فترة طويلة من الزمن، وخاصمه منذ طفولته بدون سبب وجيه يذكر، كان سعود عنيفًا ونافرا في عدائه له، بل وكان يرمقه بنظرات الازدراء كلما رآه سواء كان بمفرده أو مع رفقاته، الكره كان يدفعه إلى السخرية والاستهزاء، وكان وحيد يتألم من تلك السلوكيات الرعناء، ومما يزيد الأمر سوءًا علاقة النسب التي تجمعهما من جهة الأمهات، كل ذلك لم يثن سعود عن التفنن في استخدام كل أساليب المضايقة، حتى إنه دفع أولاد الشوارع إلى أن يزيدوا من غوغائيتهم عليه.

لم يكن يتوقع وحيد أن يرى سعود في هذه الديوانية، ولكن ها هو اليوم، وبعد هذه السنوات الطويلة من الفراق، يقترب منه ليصافحه، كانت شفتا سعود تعلوهما ابتسامة لم يعهدها وحيد من قبل، وخطر في باله ربما السنين قد غيرت من تصرفاته، وزادته الأيام والتجارب حكمة ونضجًا، لذلك قرر وحيد أن يبادله بتحية أفضل وحفاوة أرحب. ولابد له أن يكون هو الأكرم، فهو كان دائمًا الطرف الذي يبادر، فصار لزامًا عليه أن يهيئ نفسه للاستقبال الأرقى.

اقترب سعود من وحيد، الذي اصطنع له ابتسامة لطيفة، مد يده له بحرارة غير عادية، مرسلًا إليه نظرة لوم ومحبة وعتاب، مشفوعة بابتسامة تسامح ومودة أخوية، وكان وحيد ينتظر منه مبادلته السلام والتحية بتحية مماثلة، ولكن عوضًا عن ذلك مال سعود على أذنه هامسًا له ببضع كلمات، لم يفهمها في البدء مع نبرة الاستهزاء التي لازمته طيلة السنوات الماضية، وعندما شعر بأن وحيد لم يستطع فهم ما يقصده من كلام، أعاده سعود بصوت أكثر وضوحًا، قائلًا له بطريقة ساخرة: ”هؤلاء الناس الذين تراهم أمامك أتوا للسلام على الدكتور «أمين» الذي أصبح رئيس شركة «الرمال الناعمة»، فما دخلك أنت؟ هل أصبحت دون أن نعرف قريبًا للشيخ كالواقفين في هذا الصف؟“

تلك الكلمات أصابت وحيد بالتلعثم والارتباك، وأصبح لونه مثل لون الليمون الأصفر. مالت به الدنيا ميلة خفيفة، كاد على أثرها أن يهوي على الأرض من الطريقة الفظة التي سددها له سعود، الذي لم يكتف بذلك الأسلوب الشنيع، بل واصل تصويب نظرات الازدراء والسخرية، وهو يشق طريقه نحو الواقفين في الركن، وبالتحديد نحو صاحب البشت الذهبي، الشيخ أمين، والذي لم يلحظه وحيد من كثرة جموع البشر.

كان الشيخ أمين متألقًا بوجهه الذي اصطبغ بالحمرة والصحة والجمال، شاهده وحيد كيف كان يوزع نظراته بثقة على الحاضرين والمهنئين. فقد أحاط به الأعيان وصوبت نحوه عدسات الكاميرات. وزينت الجهة الركنية التي يقف فيها بأحلى أنواع الزينة والبهرجة، وكان من بين الناس الذين يحنو عليهم بالابتسامة بدون أن يشعر وحيد، الذي تلاقت عيناه بعيني الشيخ أمين، فكانت تشع من خلالهما نظرات الود والفرح والشكر والثناء. في هذه الأثناء، تذكر وحيد أمين، عندما كانا زميلين في فصل واحد في المرحلة الابتدائية، وتذكر هدوءه ونشاطه ووقاره حتى وهو في ذلك العمر الصغير.

وعندما أدرك وحيد حقيقة ما يجري من حوله، وأن هذا الحفل لا يخصه ولا يعنيه لا من قريب أو بعيد، لذلك قرر الانسحاب، وحفظ ماء وجهه، فقد كان التسلل من بين الناس سهلًا دون أن يلفت نظر أحدًا من الواقفين، أو المهنئين في الطابور، غير أن نظرات الشيخ أمين المشعة أدركت ما ينويه وحيد، فقد كان الحرج واضحًا على وجهه وهيئته، حينها خرج الشيخ أمين وتوجه إلى وحيد، وأخذه برفق إلى قربه، ثم تناول ميكروفونًا كان منصوبًا أمامه، وشكر الحاضرين الذين جاءوا مهنئين، ثم قال كلمة دوت في أرجاء الصالة: ”هل تعلمون أيها الحضور الكريم أن نجاح هذا الحفل يعود إلى حضوركم ومحبتكم التي غمرتموني بها، والفصل الثاني يعود إلى محبة هذا الأجودي الذي يقف بجواري، تعرفونه جميعًا أنه زميلي في المرحلة الابتدائية وحيد، أنا فخور بوجوده هذه الليلة بيننا، إننا أيها الإخوة بحاجة ماسة إلى التكاتف بمثل ما قدمه هذا الإنسان النبيل“، كان يشير دومًا إلى وحيد الذي توردت وجنتاه من شدة الخجل.

عندما استقر وحيد خلف مقود سيارته، كانت نظرات السخرية والتهكم التي انطلقت من عيني سعود الجارحة لا تزال عالقة في ذهنه، حتى إنه لم يتعرف على نفسه إلا حين دلف إلى جوف سيارته المظللة، حشر نفسه خلف مقودها المتهالك محاولًا تلمس طريق العودة إلى المنزل المهجور، الذي كان مصباحه الوحيد خافتًا وحزينًا، قال لنفسه: ”أطفئ هذا المصباح اللعين وعد إلى فراشك الأرضي وواصل نومك فوق تلك الوسادة المبللة بالدموع، فهي أكثر من عرفك في هذا العالم، وإياك أن تظهر ضعفك أمام الآخرين.“