سحور الوعي.. حين تفيض المائدة بالاحتواء
في مجلس أبناء المرحوم ”أبو عبد الشهيد السني“ بجزيرة تاروت، تجاوز لقاء السحور السنوي إطاره الاجتماعي المعتاد، ليتحول إلى جلسة مكاشفة وتوعية حول قضية إنسانية ملحة تشغل الكثير من الأسر، وهي ”الاضطرابات النمائية والسلوكية“. اللقاء الذي جمع نخبة من المهتمين، كان محاولة لإعادة قراءة علاقة المجتمع بأفراده الذين ينمون بإيقاع مختلف.
تحدث الدكتور محمد منصور الزاير، بتبسيط لم يخلُ من العمق، عن ضرورة نزع صفة ”المرض“ أو فكرة ”سوء التربية“ عن هذه الحالات. فالاضطرابات النمائية في جوهرها هي تفاوت في القدرات الذهنية والسلوكية. وما لفت الانتباه في طرح الزاير هو تركيزه على ”البيئة الحاضنة“، مشيراً إلى أن الأسرة الممتدة، بوجود الأجداد، تمنح الطفل شعوراً بالأمان قد لا توفره النظريات الحديثة وحدها. كما توقف عند مفارقة اجتماعية لافتة، وهي أن الأمهات غالباً ما يكنّ الأسرع في تقبل الواقع والتعامل معه، مما يستدعي جهداً أكبر لتوعية الآباء وتقريبهم من لحظة ”المواجهة والعمل“.
لكن القضية، في نظري، تتجاوز حدود ”التحدي الطبي“ لتصل إلى منطقة ”الفرص الضائعة“. وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا نصرّ على رؤية التوحد أو الاضطرابات النمائية ك ”نقص“ يجب ترميمه، بدلاً من كونه ”اختلافاً“ يمكن استثماره؟
إن النماذج التي نراها في الواقع، وحتى في الدراما الرصينة، تؤكد أن خلف ملامح التوحد قد تختبئ مهارات استثنائية وقدرات ”خارقة“ في الذاكرة، والحساب، والفنون. لذا، فإن الهدف لا ينبغي أن يقتصر على ”الاحتواء“ فحسب، بل يجب أن يمتد إلى ”الاستكشاف“. نحن بحاجة إلى تحويل البوصلة من التعامل مع التوحد كعبء علاجي، إلى اعتباره طاقة كامنة تنتظر الرعاية المؤسسية والتبني الحقيقي.
لقد لخص اللقاء هذه الرحلة في ثلاثية: «التقبل، الاحتواء، والاندماج». التقبل يفتح باب الفهم، والاحتواء يمنح الأمان، أما الاندماج فهو الطريق الذي يجعل هؤلاء الأطفال جزءاً فاعلاً من نسيجنا، لا مجرد هامش فيه.
ربما كان هذا هو المكسب الأجمل من سحور هذا العام؛ أن تتحول المناسبات الاجتماعية إلى منصات حقيقية للحوار، تُعيد صياغة وعينا بما هو ”طبيعي“، وتذكرنا بأن المجتمع القوي هو الذي لا يكتفي بقبول الاختلاف، بل يعرف كيف يحوله إلى قوة مضافة.












