آخر تحديث: 12 / 3 / 2026م - 11:08 م

حين يلتقي القلب بنور الله

عبد الله صالح الخزعل

في رحاب ليلة القدر، هذه الليلة التي تتنزّل فيها الرحمات كالمطر الهادئ على قلوبٍ أنهكها التعب، يشعر الإنسان بأن الزمن قد توقّف لحظة ليمنحه الله فرصة جديدة، فرصة يلتقط فيها أنفاس روحه ويعيد ترتيب فوضى قلبه. ليست ليلة القدر مجرد تاريخٍ ننتظره، بل هي حالة نورانية تتفتح فيها أبواب السماء، ويقترب فيها العبد من ربه قربًا لا يُقاس بالمسافات، بل يُقاس بصدق التوجّه وعمق الإحساس.

في هذه الليلة، يدرك الإنسان أن العظمة ليست في عدد الساعات، بل في ما يحدث داخل تلك الساعات من تحوّل داخلي، من صفاء ينساب في الروح كنسيم الفجر، ومن يقين يتجدد بأن الله أقرب إليه من كل ما يخافه أو يرجوه. وكأن الله يقول لعباده: إن لحظة صدق واحدة قد تعادل عمرًا كاملًا من التردد، وإن باب العودة مفتوح مهما طال الغياب.

ليلة القدر ليست فقط ليلة يُكتب فيها القدر، بل ليلة يُعاد فيها تشكيل الإنسان من الداخل. فالقلوب التي أثقلتها الهموم تجد في هذه الليلة فرصة لتخفّف حملها، والنفوس التي ضلّت الطريق تجد نورًا يهديها، والأرواح التي تاهت في زحام الدنيا تجد يدًا رحيمة تمتد إليها. إنها ليلة يتنزل فيها السلام على القلوب قبل أن يتنزل على الأرض، ليلة يشعر فيها الإنسان بأن كل ما كان يعكر صفوه يذوب، وأن كل ما كان يربكه يتلاشى، وأنه بين يدي رحيمٍ كريمٍ يعرف ضعفه ويقبل توبته.

وفي صمت هذه الليلة، حين تخفت الأصوات وتعلو الهمسات، يكتشف الإنسان أن السلام الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل ينبع من داخله حين يضع رأسه بين يدي الله ويقول: يا رب. في تلك اللحظة، يشعر بأن الكون كله يصغي لدعائه، وأن السماء تفتح له نافذة يرى من خلالها معنى الطمأنينة التي طالما بحث عنها.

ليلة القدر ليست ليلة نمرّ بها، بل ليلة تمرّ بنا لتوقظ شيئًا في أعماقنا، لتقول لنا إن الله لا يزال ينتظرنا، وإن الرحمة لا تزال تتنزل، وإن الطريق إلى النور يبدأ بخطوة واحدة… خطوة صدق.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 12 / 3 / 2026م - 2:28 ص
وأنا أقرأ نصّك الجميل أستاذ عبدالله، لا سيما فقرتك البديعة في خاتمة المقال: «يكتشف الإنسان أن السلام الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل ينبع من داخله»، لمعت في ذهني ومضة أظن أنّ قليلًا ما يُسلَّط الضوء عليها.
ففي روايات أهل البيت عليهم السلام نجد تحريضًا واضحًا على البكاء، سواء من خشية الله أو في تذكّر مصاب الحسين عليه السلام.
ومما رُوي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قيل له: «أيتباكى الرجل في الصلاة؟» فقال: «بخٍ بخٍ، ولو مثلَ رأسِ الذباب».
ومن خلال تتبّعي القاصر وجدتُ رواياتٍ كثيرة تحثّ على البكاء أو التباكي، لكني لم أجد روايةً تحثّ على التضاحك. وكأنّ السر في ذلك أنّ تصنّع البكاء يفتح باب العاطفة والتعلّق بربّ العالمين، بينما التضاحك — في كثير من صوره — يكون مظهرًا من مظاهر التعلّق بالدنيا والأنانية.
وهو عينُ السلام الحقيقي الذي تدعو إليه يا أستاذنا العزيز أبا صالح