آخر تحديث: 7 / 3 / 2026م - 5:41 ص

قصائد الأرصفة الرمضانية..

عبد الله صالح الخزعل

في هذا الشهر الكريم، تتوشح الأزقة الشعبية بألوان الفوانيس وتغدو الليالي كأنها مهرجان من نور وعبق، تنبثق البسطات الرمضانية كقصائد قصيرة مكتوبة على الأرصفة. شباب الحي يمدون طاولاتهم المتواضعة، يزينونها بما تيسر من أكلات شعبية ومشروبات باردة، فتتحول الأزقة إلى أسواق صغيرة تنبض بالحياة، حيث تختلط أصوات الباعة بنداءات المارة وضحكات الأطفال، وكأن المكان يستعيد ذاكرة قديمة عن البهجة الجماعية.

هذه البسطات ليست مجرد تجارة موسمية، بل هي مشهد اجتماعي يروي حكاية الحي وروحه. فهي تجمع الناس حولها، وتعيد للجيران دفء اللقاءات اليومية، وتمنح الشباب مساحة لإثبات الذات وتجريب خطواتهم الأولى في عالم التجارة. وفي كل طبق شعبي يُعرض، هناك حكاية عن تراث يتجدد، وعن ذاكرة جماعية تتناقلها الأجيال في صورة طعام وشراب.

اقتصادياً، تمثل هذه البسطات نافذة رزق للشباب والأسر محدودة الدخل، فهي تفتح لهم باباً لتغطية احتياجاتهم في شهر تزداد فيه المصاريف، وتمنحهم خبرة أولية في فن البيع والشراء، وربما تكون بذرة مشروع أكبر في المستقبل. فيشعرون أن رمضان ليس عبادة فحسب، بل أيضاً حياة تتجدد.

ومع ذلك، فإن لهذه الظاهرة وجهاً آخر لا يخلو من التحديات. ازدحام الأزقة قد يتحول أحياناً إلى فوضى، وبعض البسطات تفتقر إلى شروط النظافة، مما يثير مخاوف صحية، لكن هذه السلبيات، مهما بدت، لا تطغى على الصورة الكبرى التي ترسمها البسطات: صورة مجتمع حيّ، يتشارك الفرح والرزق، ويحوّل الأزقة إلى فضاءات نابضة بالدفء والإنسانية.

في النهاية، تبقى البسطات الرمضانية أشبه بقصيدة شعبية تُكتب كل عام على أرصفة الحي، قصيدة من نور وعرق وابتسامات، تختصر معنى رمضان في كلمة واحدة: الحياة.