آخر تحديث: 7 / 3 / 2026م - 5:41 ص

عين عذاري!!!

عبد الله أحمد آل نوح *

في المجتمعات التي عُرفت بالكرم والتكافل، يبقى العطاء قيمة راسخة يعتز بها الناس، فهو دليل على إنسانية الفرد ووعي المجتمع بمسؤولياته تجاه الآخرين. غير أن بعض صور العطاء تحمل مفارقة تستحق التأمل؛ إذ يمتد الخير أحيانًا إلى مسافات بعيدة، بينما يبقى من هم أقرب الناس إلى القلب والحياة في دائرة النسيان دون قصد. وقد لخّص المثل الشعبي هذه الحالة بعبارة بليغة حين قال: عين عذاري تسقي البعيد وتترك القريب.

هذا المثل لا يقصد ذم العطاء، بل يلفت الانتباه إلى خلل في ترتيب الأولويات. فكثيرًا ما نرى من يبادر إلى دعم حملات خيرية في أماكن بعيدة، أو يشارك في مبادرات إنسانية واسعة، وهو أمر محمود بلا شك، لكن في المقابل قد يكون في محيطه القريب من يحتاج إلى التفاتة صادقة أو عون بسيط لا يجده.

تشخيص هذه الظاهرة يكشف أن بعض الأسر قد تمر بظروف صعبة دون أن تعلن عنها. فطبيعة العلاقات القريبة تجعل كثيرًا من الناس يفضلون الصمت على طلب المساعدة، حفاظًا على الكرامة أو تجنبًا للإحراج. وهنا قد يقع الخلل؛ إذ يظن البعض أن عدم الشكوى يعني عدم الحاجة، بينما الحقيقة أن بعض الحاجات تختبئ خلف الصمت.

ومن أسباب هذه الظاهرة أيضًا أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت صور المعاناة البعيدة أكثر حضورًا وتأثيرًا. فالحملات الخيرية التي تنتشر عبر المنصات المختلفة تستثير المشاعر وتدفع الناس إلى التفاعل السريع معها، فيندفع العطاء نحو تلك النداءات الظاهرة، بينما تبقى احتياجات الأقربين أقل وضوحًا لأنها لا تُعرض في العلن.

وقد يكون السبب أحيانًا مجرد غفلة غير مقصودة. فالإنسان بطبيعته قد ينشغل بالدوائر الأوسع من حوله، ويغيب عنه أن أقرب الناس إليه قد يكونون أولى بعنايته واهتمامه. وفي أحيان أخرى قد يشعر البعض بشيء من الحرج في مساعدة القريب، خشية أن يُفهم الأمر بطريقة غير صحيحة أو أن يظن الآخرون أن في ذلك تدخّلًا في شؤونهم الخاصة.

لكن التوجيه الديني والاجتماعي كان واضحًا في ترتيب دوائر العطاء. فقد دعا الإسلام إلى الإحسان إلى الأقربين قبل غيرهم، قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ، وجاء في الأثر أن الصدقة على القريب تجمع بين أجر الصدقة وأجر صلة الرحم. وهذا التوجيه لا يعني حصر الخير في دائرة محدودة، بل يعني أن يبدأ العطاء من الأقرب ثم يتسع ليشمل الآخرين.

إن معالجة هذه الظاهرة تبدأ بإحياء روح السؤال والاهتمام داخل العائلة وبين الأقارب والجيران. فمجرد السؤال عن الأحوال قد يكشف عن احتياجات لم تكن ظاهرة، كما أن تقديم العون بأسلوب يحفظ الكرامة ويصون المشاعر يجعل المساعدة أكثر قبولًا وأثرًا.

المجتمع المتماسك هو الذي تتكامل فيه دوائر العطاء، فلا يُهمل القريب ولا يُنسى البعيد. فالعطاء الحقيقي لا يُقاس فقط بحجمه، بل بحكمته أيضًا، وبقدرته على الوصول إلى من هم أولى به.

ولعل الحكمة التي يحملها المثل الشعبي ما زالت صالحة للتذكير حتى اليوم: ليس المطلوب أن يتوقف الماء عن السريان إلى البعيد، بل أن يبدأ أولًا من حيث يجب أن يبدأ… من الأقرب فالأقرب، حتى لا تتحول عين الخير إلى عين عذاري تسقي البعيد وتترك القريب.

عضو مجلس المنطقة الشرقية ورجل أعمال