آخر تحديث: 4 / 3 / 2026م - 11:48 م

كربلاء مهوى القلوب..

عبد الرزاق الكوي

من الكرامات والمكانة الجليلة والكثيرة للإمام الحسين ، عندما تُذكر الزيارة على لسان الموالين، تعرف بأن الزيارة للإمام الحسين ، وهي واحدة مما تفضل الله تعالى عليه أن تتعنّى لزيارته الملايين مهما كانت قساوة الظروف التي مر بها زوار الإمام الحسين على مر التاريخ. الارتباط وثيق لا يمكن وصفه وبلوغ معانيه، امتاز بها عن سائر الأئمة مع جليل قدرهم وعلو مكانتهم، وجميعهم قدموا التضحيات في سبيل الله سبحانه وتعالى. تبقى زيارة أبا عبد الله لها خاصيتها وتأثيرها ملكُ القلوب بما جرى عليه في كربلاء المقدسة من مصيبة أدمت قلب النبي ﷺ وأهل البيت .

فالزائر تمتزج عنده فرحة الوصول والبلوغ والتشرف بالزيارة، وشريط من الحزن الذي لا ينتهي على ما جرى من قتل وحشي وسبي بنات الرسالة. واقع محزن، ويكون أكثر حزنًا على أرض كربلاء، ولو كانت الظروف مواتية لكانت أعداد الزوار في جميع أيام السنة بالملايين، اتباعًا لأوامر الرسول ﷺ وأهل البيت الذين حثّوا أتباعهم على زيارة سيد الشهداء الإمام الحسين ، لما لها من الأجر والثواب، وأن تركها بدون سبب مع الإمكانية يعتبر من العقوق، ليس للإمام الحسين بل للرسول ﷺ. فقد قدمت أرواح طاهرة فداءً للحسين على أرض كربلاء المقدسة، والزوار على مر التاريخ بسبب الإصرار على الزيارة مهما تكالبت الظروف ووحشية المنع ووضع العراقيل.

اليوم وغدًا حتى تقوم الساعة، كربلاء الإمام الحسين قبلة العشاق ومهوى القلوب وراحة النفس وملجأ لكل صاحب حاجة مع أخيه أبي الفضل العباس ، فهم الحصن الحصين في يومٍ لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى بولايتهم ومحبتهم. قال رسول الله ﷺ: «من أحبّ قومًا حشر معهم، ومن أحبّ عمل قوم أشرك في عملهم». يقينًا هم أهل الحب وأهل العمل الصالح، هذا المتفق عليه بين جميع الشرائح والفرقاء؛ يختلفون في أشياء قليلة أو كثيرة، إلا حبهم لأهل البيت عامة والإمام الحسين بشكل خاص، بما قام به من العمل البطولي في اليوم العاشر من محرم الحرام، وقدم نفسه الطاهرة فداءً للدين وبقاء الإسلام وإظهار الحق.

«وإنّي لم أخرج أشِرًا ولا بطِرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي محمّد، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر».

زيارة الإمام الحسين طريق من طرق الوصول إلى الجنة، هذا ما جعله الله تعالى له من كرامة أن جعل القلوب تشتاق لزيارته وتطهيرها وتجديد العهد واستمرارية العلاقة الثابتة؛ إنها التجارة الرابحة وأجلّ وأفضل الأعمال. وكربلاء اليوم بوجود المرقد الشريف بقعة من أفضل بقاع العالم رويت بدماء خير البشر وساداتهم الإمام الحسين وأهل بيته . ارتبطت بالإمام الحسين فارتفع شأنها وعظمت مكانتها، بوصلةٌ للمحبين، فلا يوم كيوم كربلاء؛ إنها موطن جميع العالم، فالإمام خرج من أجل العالم وتعزيز مبادئ حقوق الإنسان والعدالة.

تشتاق لهذه الأرض الأنفس وتحن للوصول لها القلوب، يزورها الأنبياء ويحضرها الأولياء ويحن لها المحبون، تغبطها البلدان وتتفاخر على كل البقاع، وهي أهل لهذا التفاخر. أربعة عشر قرنًا وهي شامخة تعانق السماء نورًا وهداية وقداسة. كانت قبل حضور الإمام الحسين سنة 61 للهجرة قرى متباعدة قليلة العمران، والآن من أشهر المدن على المستوى العالمي يشار لها بالبنان. يستقبل هذه الأعداد شعب مضياف تربى على حب الإمام ، فأبهر العالم بطيب استقباله وسعة صدره وتواضعه.

هذا هو الجوار الثمين الذي انعكس على الإنسان العراقي ليكون خير راعٍ لمقام الإمام الحسين وأخيه وحامل لوائه، شبيه الإمام علي في شجاعته، ومثل أخيه الإمام الحسين في تضحيته.

وعند ذكرهم فلابد من ذكر بطلة كربلاء أمّ المصائب عقيلة الهاشميين زينب ، العالمة غير المعلمة؛ فالتل الزينبي يشهد مدى صبرها وعِظَم بلائها وهي تنظر لاستشهاد أهل بيتها جميعًا. سطروا جميعهم ملحمة كربلاء بما منّ الله عليهم من بصيرة نافذة؛ فالقلم يعجز عن إيفاء هذه الشخصيات العظيمة حقها، وكتبوا تاريخها بدمائهم الطاهرة.