آخر تحديث: 3 / 3 / 2026م - 8:50 م

اللي يحفظ واللي يفهم

سراج علي أبو السعود *

هناك نمطان لطالب العلم: من يحفظ، ومن يفهم. الأول يتقن ترديد المعلومة، والثاني يتقن التعامل معها. والفرق بينهما لا يظهر في قاعة الدرس، بل في لحظة الأزمة. المدير الذي كانت طفولته تكديسًا للمعلومات دون فهم، لا يرى من الإدارة إلا اللوائح والأنظمة والإجراءات. فإذا واجهته مسألة لم ينص عليها النظام، ارتبك؛ لأنه لم يتعلم كيف يفكر، بل كيف يستنسخ ما ينص عليه النظام حرفيًا. وحين يغيب التفكير، تتحول السلطة إلى عبء، والمنصب إلى مصدر تعطيل.

في تقديري أن أصل المشكلة تربوي قبل أن يكون تعليمي. فالأسرة التي تحوّل التعليم إلى سباق درجات، وتسلب أبناءها مساحة السؤال والاختيار، وتكتفي عند المنع بكلمة: ”هوِّن“ أو ”جُوز“، بلا تبرير أو إقناع، لا تخرّج إلا عقلًا بارعًا في استظهار ما اكتنزه من معلومات، ضعيفًا في ممارسة التحليل. ينشأ صاحب هذا النمط وهو يتعامل مع الحياة كما يتعامل مع الكتاب المدرسي: يبحث عن جوابٍ جاهز، فإن لم يجده اضطرب. وحين يتولى إدارة قسم أو مؤسسة، تكفي مسألة غير مألوفة لتكشف حدوده؛ لأنه لم يُربَّ على صناعة الحلول، بل على تكرار التعليمات. إنه - باختصار - عقل يبرع في ”تسويغ المنع“ أكثر مما يبرع في صناعة البديل؛ قد يرفض اقتراحًا جديدًا لمجرد أنه غير منصوص عليه، حتى وإن لم يخالف النظام. فيتحول من قائدٍ إلى معيق، ومن مسؤولٍ إلى نقطة تعطيل. ولا يتوقف الأثر عند حدود العمل؛ ففي المجال الأخلاقي والاجتماعي يظل عاجزًا عن قراءة واقعٍ متجدد لم يعتده. فإذا طُلب منه تحليل موقف، بدا كمن يسمع أصواتًا متداخلة لا يستطيع ترتيبها؛ تمر المعلومات عبره كما تمر المحفوظات، دون أن تتحول إلى وعيٍ ناقد أو حكمٍ مستقل. ويكفي أن تتصفح منصات التواصل لترى الفارق واضحًا بين عقلٍ يحلل، وآخر ببغاوي يكتفي بترديد ما سمع.

المقابلة الشخصية تكشف هذا النمط متى كان القائم عليها صاحب بصيرة. يكفي أن يُعطى المتقدم مسألة تتطلب تفكيرًا خارج المألوف، حتى تظهر حدود قدرته التحليلية؛ إذ سرعان ما يبحث عن جواب محفوظ لا عن فهمٍ وتحليل جديد. غير أن الإشكال الأكبر حين يكون هذا النمط نفسه هو من يجري المقابلات. عندئذٍ تتحول المقابلة إلى مراجعة للسجل الأكاديمي، ويصبح معيار الكفاءة هو المعدل الجامعي أو سبب انخفاض درجة في مادة ما. لأن النجاح في تصور هذا العقل لا يتجاوز حدود الأرقام، ولا يرى في الإنسان إلا مجموع درجاته. وهنا تُعاد إنتاج الأزمة: عقلٌ لا يؤمن إلا بالحفظ، يختار من يشبهه، فتدور الدائرة ويستمر الجمود.