أمراض الكبد المرتبطة بداء كرون والقولون التقرحي
يشكّل داء الأمعاء الالتهابي، والذي يشمل (مرض كرون والقولون التقرحي)، أحد الأمراض المزمنة التي لا يقتصر تأثيرها على الجهاز الهضمي فحسب، بل قد يمتد ليشمل أعضاء أخرى في الجسم، وفي مقدمتها الكبد. وتتنوع المشكلات الكبدية المصاحبة ما بين تغيرات بسيطة عابرة، وأمراض مناعية مزمنة تحتاج إلى متابعة دقيقة وطويلة الأمد.
في بعض الحالات، يُلاحظ ارتفاع طفيف في إنزيمات الكبد نتيجة استخدام أدوية مثبطة للمناعة مثل Azathioprine, المعروف تجارياً باسم إميوران. كما تُعد الكبد الدهنية من أكثر الأسباب شيوعاً لاضطراب إنزيمات الكبد لدى مرضى داء الأمعاء الالتهابي، حيث تشير دراسات إلى أن ما يقارب ثلث المرضى قد يعانون منها. وغالباً ما يتم اكتشافها عبر الأشعة الصوتية على البطن، بعد استبعاد الأسباب الأخرى.
وعلى جانب آخر، قد تظهر حالات أكثر تعقيداً، من أبرزها التهاب وتصلب القنوات الصفراوية الأولي، وهو مرض مناعي مزمن يصيب القنوات الصفراوية، مسبباً التهابها وتضيّقها التدريجي. وتتراوح نسبة الإصابة به بين 2% و 8%، وتكون أعلى لدى مرضى القولون التقرحي، خاصة الذكور ومن لديهم إصابة شاملة للقولون. ويتم تشخيص المرض أساساً عبر تصوير القنوات الصفراوية بالرنين المغناطيسي (MRCP)، إلى جانب ملاحظة ارتفاع إنزيمات الكبد. وقد يعاني المريض من أعراض مثل اصفرار العينين، الحكة الجلدية، والتعب العام.
تكمن أهمية التشخيص المبكر لهذا المرض في أنه قد يؤدي، مع مرور السنوات، إلى تليّف الكبد خلال فترة تتراوح بين 12 و 20 عاماً من التشخيص وفق بعض الدراسات، ما قد يستدعي زراعة كبد في المراحل المتقدمة. كما ترتفع مخاطر الإصابة بسرطان القنوات الصفراوية وبعض أورام الكبد، لذلك توصي الإرشادات الطبية بالمتابعة الدورية، بما في ذلك التصوير السنوي بالرنين المغناطيسي للكشف المبكر عن المضاعفات.
ومن الأمراض الأقل شيوعاً المرتبطة بداء الأمعاء الالتهابي التهاب الكبد المناعي، وهو اضطراب مناعي يسبب ارتفاعاً في إنزيمات الكبد، وقد يترافق مع إرهاق عام وآلام في المفاصل، بينما قد يُكتشف أحياناً دون أعراض واضحة من خلال الفحوصات المخبرية. وتُعد نسبة الإصابة به منخفضة جداً (أقل من 0.5%)، وهو أكثر شيوعاً لدى مرضى القولون التقرحي مقارنة بمرضى كرون.
يعتمد التشخيص على فحوصات مناعية متخصصة، وقد تستدعي بعض الحالات إجراء خزعة كبد لتأكيد التشخيص. أما العلاج فيعتمد على الأدوية المثبطة للمناعة، مثل الكورتيزون ودواء الأزاثيوبرين، مع ضرورة الاستمرار بالعلاج لمدة لا تقل عن عامين قبل إعادة التقييم، وقد يُنظر في إجراء خزعة كبد قبل اتخاذ قرار إيقاف العلاج.
وفي ضوء ما سبق، تبقى الرسالة الأهم لمرضى كرون والقولون التقرحي: المتابعة المنتظمة لوظائف الكبد ضرورة أساسية، وعدم تجاهل أي أعراض جديدة مثل الاصفرار أو الحكة أو التعب غير المبرر. فالتشخيص المبكر والالتزام بالمتابعة يمثلان حجر الأساس لحماية الكبد وتفادي المضاعفات على المدى الطويل.

















