دعاء الليلة الحادية عشرة: تجديد العهد والرجاء
ينقل السيد رضي الدين علي بن طاووس في كتابه الإقبال بالأعمال الحسنة هذا الدعاء المروي عن النبي ﷺ لليلة الحادية عشرة من شهر رمضان، وهي ليلة تحمل معنى الانتقال؛ إذ تمثل بداية الثلثين الباقيين من الشهر، وكأنها محطة مراجعة واستئناف بعد مرور عشرة أيام من المجاهدة والعبادة. لذلك يجيء الدعاء بروحٍ مختلفة، روح من يريد أن يفتح صفحة جديدة بوعيٍ أعمق وإرادةٍ أقوى.
"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَأْنِفُ الْعَمَلَ، وَ أَرْجُو الْعَفْوَ، وَ هذِهِ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ لَيالِي الثُّلْثَيْنِ، أَدْعُوكَ بِأَسْمائِكَ الْحُسْنى، وَ أَسْتَجِيرُ بِكَ مِنْ نارِكَ الَّتِي لا تُطْفَأ، وَ أَسْأَلُكَ أَنْ تُقَوِّيَنِي عَلى قِيامِهِ وَ صِيامِهِ، وَ أَنْ تَغْفِرَ لِي وَ تَرْحَمَنِي، إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ.
اللَّهُمَّ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [وَ بِها] تَتِمُّ الصَّالِحاتُ، وَ عَلَيْها اتَّكَلْتُ، وَ أَنْتَ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ، وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، صَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ، وَ اغْفِرْ لِي وَ ارْحَمْنِي وَ تَجاوَزْ عَنِّي، إِنَّكَ أَنْتَ التوَّابُ الرَّحِيمُ." [1]
دعاء الليلة الحادية عشرة من شهر رمضان: قراءة روحية في تجديد البداية والاتكال على الرحمة
يمثّل دعاء الليلة الحادية عشرة من شهر رمضان انتقالةً روحية مهمّة في مسار الشهر الكريم، إذ تأتي هذه الليلة بوصفها بداية الثلثين الباقيين من الشهر، وكأنها محطة مراجعة وتجديد بعد انقضاء الثلث الأول. ولذلك يبدأ الدعاء بروح الاستئناف والأمل، ويجمع بين التوبة والخوف والرجاء والتسليم، ليصوغ للإنسان منهجًا متوازنًا في مواصلة السير إلى الله دون يأسٍ من التقصير أو غفلة عن خطورة الطريق.
يستفتح الدعاء بقول الداعي: «اللهم إني أستأنف العمل وأرجو العفو»، وهي عبارة تحمل بُعدًا تربويًا عميقًا؛ إذ تعلّم أن الطريق إلى الله لا يُغلق بسبب التقصير، وأن كل مرحلة يمكن أن تكون بداية جديدة. الاستئناف في اللغة يعني البدء من جديد بعد انقطاع أو فتور. وفي البعد التربوي، هو إعلان صريح بأن الإنسان لا يركن إلى ما مضى، بل يجدد عزمه ويستأنف مسيره. وهذه لفتة دقيقة؛ فحتى في شهر الطاعة قد يتسلل الفتور، وقد تضعف الهمة، فيحتاج القلب إلى وقفة يعيد فيها توجيه نفسه.
فالاستئناف هنا ليس مجرد استمرار، بل عودة واعية بروحٍ أكثر صفاءً وخبرة. ويقترن هذا الاستئناف برجاء العفو، ليؤكد أن التجديد الحقيقي لا يقوم على الاعتماد على العمل وحده، بل على الجمع بين الجهد والرجاء في رحمة الله.
وفي أجواء رمضان، حيث يمر الإنسان بحالات من النشاط والفتور، يمنح هذا المعنى طمأنينةً خاصة؛ إذ يذكّر بأن المهم ليس الكمال المستمر، بل القدرة على العودة بعد كل تقصير.
أما «أرجو العفو» فتكشف عن توازن بين العمل والرجاء. فالعبد يعمل، لكنه لا يعتمد على عمله، بل يرجو عفو الله الذي يجبر نقصه ويكمل تقصيره. وهذا الجمع بين السعي والرجاء هو جوهر العبودية الواعية.
قوله: «وهذه أول ليلة من ليالي الثلثين» ليس تحديدًا زمنيًا فحسب، بل تذكير بأن الوقت يمضي، وأن على المؤمن أن يحاسب نفسه. فالزمن في رمضان ليس أيامًا متشابهة، بل درجات يرتقي بها الإنسان أو يتراجع. وذكر هذه المرحلة يدعو إلى اغتنام ما تبقى بروحٍ أكثر حضورًا واستعدادًا.
يقول الداعي: «وهذه أول ليلة من ليالي الثلثين»، وفي ذلك لفتة إلى أهمية الوعي بالزمن الروحي. فالأيام ليست متشابهة في أثرها، بل لكل مرحلة رسالة. وهذه العبارة توقظ القلب من الاعتياد، وتدعوه إلى أن يتعامل مع الزمن بوصفه فرصة متجددة لا مجرد مرور للأيام. فالليلة الحادية عشرة تصبح إعلانًا لبداية مرحلة أعمق من المجاهدة، وكأن الدعاء يحثّ على مضاعفة اليقظة قبل الوصول إلى الثلث الأخير حيث تتكثف نفحات القرب.
«أدعوك بأسمائك الحسنى» هو انتقال من الشعور بالعجز إلى الاستناد إلى صفات الكمال الإلهي. فالأسماء الحسنى ليست ألفاظًا مجردة، بل مفاتيح للرجاء؛ إذ حين يدعو العبد باسم الرحمن يستحضر الرحمة، وحين يدعو باسم الغفور يستحضر المغفرة.
في هذا الموضع يتعلم المؤمن أن الدعاء ليس مجرد طلب، بل معرفة؛ فكلما ازداد معرفة بأسماء الله ازداد يقينه بأن باب الإجابة مفتو
ينتقل الدعاء هنا إلى التوسل بالأسماء الحسنى والاستجارة من النار التي لا تُطفأ. وهنا يظهر توازن الخوف والرجاء؛ فالتوسل بالأسماء الحسنى يعكس رجاء الرحمة واللطف، بينما الاستجارة من النار يذكّر بحقيقة المسؤولية والجزاء. وهذا التوازن ضروري لحياة القلب، لأن الرجاء وحده قد يورث الغفلة، والخوف وحده قد يورث اليأس، أما اجتماعهما فيخلق حالة يقظةٍ متوازنة تدفع إلى العمل.
«وأستجير بك من نارك التي لا تطفأ» يحمل بُعدًا تربويًا مهمًا. فالخوف من النار ليس خوفًا من العذاب الجسدي فقط، بل من الانفصال عن الله. والنار في بعدها المعنوي هي نتيجة البعد عن مصدر النور.
الاستجارة هنا تعبير عن وعي بأن النجاة لا تكون بالقوة الذاتية، بل بالالتجاء إلى الله. وهذا يوازن الرجاء بالعفو، فلا يتحول الرجاء إلى أمنٍ كاذب، بل يبقى مقرونًا بخشيةٍ تحفظ المس
والاستجارة تعبير عن شعور العبد بعجزه عن حماية نفسه دون عناية الله، فيتحول الدعاء إلى طلب ملجأ لا إلى مجرد تمنٍّ.
«وأسألك أن تقويني على قيامه وصيامه» يكشف أن التحدي الحقيقي في العبادة هو الثبات. فالبدء سهل أحيانًا، لكن الاستمرار يحتاج إلى مدد. ومن هنا يطلب العبد القوة لا مجرد التوفيق، لأن الطريق إلى الله طويل، ولا يثبت عليه إلا من استمد قوته من الله.
هنا، يسأل الداعي أن يقوّيه الله على القيام والصيام، وهو طلب يكشف أن العبادة تحتاج إلى توفيق إلهي لا يقل عن الحاجة إلى النية الصادقة. فالقلب قد يرغب في الطاعة، لكن الجسد والنفس قد يضعفان، ومن هنا يأتي طلب القوة بوصفه اعترافًا بأن الاستمرار في العبادة نعمة بحد ذاتها.
وفي هذا اعتراف ضمني بأن العبادة نعمة تحتاج إلى دعم إلهي مستمر وهذا المعنى يعلّم المؤمن أن لا يعتمد على حماسه المؤقت، بل أن يطلب من الله ثباتًا يمنحه القدرة على الاستمرار حتى نهاية الشهر.
في الفقرة الثانية يتوسل الداعي بالرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء، وهي من أوسع آيات الرجاء في القرآن. فالعبد حين يستحضر سعة الرحمة يشعر أن خطاياه مهما عظمت لا تخرج عن دائرة العفو الممكن، وأن الطريق إلى الله مفتوح دائمًا. كما يربط الدعاء بين الرحمة وإتمام الصالحات، في إشارة إلى أن الأعمال لا تكتمل إلا بلطف الله وقبوله، لا بمجرد جهد الإنسان.
يقول الداعي: «وعليها اتكلت»، وهو إعلان تسليم واعتماد قلبي. فالتوكل هنا لا يلغي العمل، بل يمنحه طمأنينة؛ إذ يعمل الإنسان وهو مطمئن إلى أن النتيجة بيد الله. ثم يأتي ذكر اسم «الصمد» وتوحيد الله بتنزيهه عن الولادة والمماثلة، ليؤكد أن الاتكال الحقيقي لا يكون إلا على من لا يحتاج إلى غيره.
وهذا التوحيد في وسط الدعاء يربط التوبة والعفو بالعقيدة، ليبقى القلب متجهًا إلى مصدر واحد لا يتشتت بين الأسباب.
«صل على محمد وآل محمد» يربط الدعاء بمصدر الهداية. فالصلاة عليهم تعبير عن المحبة والانتماء، وهي في التراث الدعائي مفتاح قبول الأعمال. وكأن الداعي يدخل إلى رحمة الله عبر باب المحبة المحمدية.
ختم الدعاء بالصلاة على محمد وآل محمد، ثم طلب المغفرة والرحمة والتجاوز، إشارة إلى أن الدعاء يبلغ كماله حين يقترن بالصلاة على النبي وآله. فالصلاة عليهم تربط العبد بسلسلة الرحمة والهداية، وتمنحه شعورًا بأنه يطلب العفو ضمن مسار جماعي من المؤمنين الساعين إلى القرب.
تنتهي الفقرة بذكر اسمي الله «التواب الرحيم»، وهما اسمان يبعثان الطمأنينة بعد الخوف، إذ يؤكدان أن باب الرجوع مفتوح وأن الرحمة تسبق الغضب. وبذلك يخرج الداعي من الدعاء وهو بين يقظة المسؤولية وسكينة الرجاء، مستعدًا لمواصلة الطريق بقلبٍ أكثر حضورًا.
خلاصة المعنى الروحي للدعاء:
يتضمن هذا الدعاء معاني سامية تتجلى في استئناف العمل بعد مراجعة النفس، والرجاء بالعفو مع الخوف من النار، وطلب القوة للاستمرار، والتوسل بالرحمة الواسعة، وإعلان التوحيد أساسًا للثقة، وختم المسير بالتوبة واليقين. ومن خلال هذه المضامين يرسم الدعاء ملامح مسيرةٍ روحية متكاملة لا تقوم على العمل وحده ولا على الرجاء المجرد، بل على توازنٍ دقيق بين المجاهدة والافتقار، وبين الخشية والأمل.
إنه دعاء يعلّم المؤمن أن رمضان ليس مجرد أيام تمضي، بل رحلة تتجدد فيها النية، ويتعمق فيها الرجاء، ويتوازن فيها الخوف بالمحبة، حتى يصل القلب إلى حالة من الاستسلام الواعي لله. وفي هذا المعنى يتحول منتصف الشهر من محطة زمنية عابرة إلى لحظة يقظة، يستعيد فيها الإنسان حضوره ويجدد عهده ويعيد توجيه خطواته نحو الغاية.
وهكذا يجمع دعاء الليلة الحادية عشرة بين روح البداية الجديدة والوعي بقيمة الزمن، والتوازن بين الخوف والرجاء، مع تأكيد الحاجة إلى القوة الإلهية في العبادة وسعة الرحمة التي تحتضن الساعين. فهو يذكّر بأن منتصف الطريق ليس نهاية، بل فرصة لمراجعة النفس وتجديد العهد، وأن الاتكال على الرحمة هو الجسر الذي يعبر بالعبد من التقصير إلى الأمل، ومن الخوف إلى الطمأنينة، حتى يواصل المسير بقلبٍ أكثر صفاءً وثقةً ورجاء.

















