مَن لا يفكر.. يعيش حاضراً بلا مستقبل
”العقل ميزان الإنسان، وعليه توزن أفعاله“، قالها الإمام علي بن أبي طالب
، ليضع العقل في مركز تعريف الإنسان بنفسه وبالعالم من حوله. فالتفكير هو الأداة التي بها نفهم الواقع ونفسره ونحدد مواقفنا منه، وهو الوسيلة التي تميز الإنسان عن الكائنات الأخرى وتمنحه القدرة على الاختيار لا مجرد الاستجابة. ومن هنا تتجلى أهمية أن تُربّى الأجيال منذ الصغر على أساليب تنمي فضيلة التفكير، لأن الطفل الذي يُسمح له بالسؤال والنقاش وإبداء الرأي ينمو وهو يمتلك ثقة في عقله وقدرة على تحليل ما يسمعه ويراه، بينما الذي يُقمع سؤاله ويتحول إلى مجرد متلق سلبي يصبح أكثر قابلية للانقياد والتضليل. إن التربية التي تشجع الحوار داخل الأسرة والمدرسة، وتدفع الأبناء إلى قراءة متنوعة، وإلى التفكير في حلول للمشكلات اليومية بدل تلقيها جاهزة، هي تربية تبني إنسانًا قادرًا على التمييز بين الحقيقة والرأي، وبين المعلومة والدعاية، وعلى فحص ما يُقدم له بدل ابتلاعه كما هو. وقد أثبت التاريخ أن السؤال أخطر من السلاح حين يكون موجها إلى الوهم والسلطة، فقد دفع الفيلسوف اليوناني سقراط حياته ثمنًا لأسئلته حين اتهموه بإفساد عقول الشباب لأنه علمهم كيف يفكرون لا كيف يطيعون، كما حورب العالم الإيطالي غاليليو غاليلي لأنه تجرأ على التشكيك في مركزية الأرض وأصر على الاحتكام إلى الدليل والعقل بدل الموروث الجامد، فصار نموذجا للعالم الذي دفع ثمن التفكير في زمن لا يحتمل التفكير.
إن تطوير مهارات التفكير النقدي ليس مسألة نظرية، بل ممارسة يومية تبدأ من تحليل الأخبار بدل إعادة نشرها، ومن مقارنة المصادر بدل الاكتفاء بواحد، ومن تعويد النفس على الشك الإيجابي، وعلى النقاش الهادئ، وعلى ربط الرأي بالدليل وليس بالصوت العالي. هذه المهارات هي التي تصنع فردًا قادرًا على فهم الواقع، ومجتمعًا يفرز قادته بوعي لا بانفعال، واقتصادًا يقوم على الابتكار لا على التقليد، وسياسةً تُبنى على المحاسبة لا على التقديس. لذلك يمكننا القول إن التفكير النقدي يبني مستقبلًا زاهرًا لأنه يصنع الإنسان القادر على التكيف مع التغيرات، وعلى إنتاج المعرفة، وعلى مقاومة التضليل في زمن تتكاثر فيه الشائعات والأخبار المزيّفة.
ومع ذلك كله يظل الناقد شخصية غير مرغوبة في كثير من البيئات، لأن النقد يكشف الوهم، والوهم مريح لكثيرين، ولأنه يضع الآخرين أمام أسئلتهم المؤجلة فيشعرون بالتهديد بدل الاطمئنان.
في مجتمعات كثيرة يُتهم الناقد بالخيانة أو السلبية أو قلة الانتماء، لمجرد أنه خالف السائد، لا لأنه أخطأ بل لأنه فكّر خارج القطيع؛ وهنا يتحول التفكير من فضيلة إلى تهمة، ومن نعمة إلى عبء.
يشير الإمام علي بن أبي طالب
من خلال مقولته إلى أن العقل هو الأداة الأساسية التي يتميز بها الإنسان عن غيره من الكائنات، لأنه مقياس للتمييز بين الخير والشر، والصواب والخطأ. وبقدر ما يحمل الإنسان من عقل، يزداد وعيه بمسؤولياته في الحياة. فالأفعال التي يقوم بها ليست مجرد ردود أفعال آنية، بل يجب أن تكون مدروسة وتستند إلى تفكير عميق.
إن توجيه الناس إلى استخدام عقولهم، والنقد، والفهم العميق للواقع من حولهم يدفع الخطر عن الأوطان والإنسان. ويكمن الخطر في تعطيل التفكير والنقد في المجتمعات، والتهديد الحقيقي في تقديس الخطأ؛ ولا معنى لوجود الإنسان بلا عقل فاعل.
التفكير هو الوجود الحقيقي، ومن لا يفكر يعيش حاضرا بلا مستقبل، بينما من يفكر يصنع غده بيده.

















