آخر تحديث: 1 / 3 / 2026م - 12:45 ص

أدب الطفل ”تحولات في أساليب التربية“

طالب عبد الحميد البقشي *

نشاهد في الأوساط الاجتماعية أطفالًا نوابغ يتحلون بمواهب تسبق أعمارهم المبكرة، مما يجعلنا نفكر: كيف حصل هؤلاء الأطفال على هذه السمات والملكات من النبوغ، ونتساءل: هل هذا النبوغ من الخصائص والصفات الموروثة أم من تأثير الأسر على تربية هؤلاء الأطفال؟

فعلى سبيل المثال، نرى شواهد حقيقية وموثقة لأسماء أطفال حافظين للقرآن من الخليج والعراق وإيران ظهروا في مسابقات قرآنية تشهد على إنجازاتهم؛ فقد ظهرت قوائم بأسماء أطفال حفظة للقرآن الكريم من دول كثيرة، منها دول الخليج، تكريمًا لهم على حفظهم أجزاء أو القرآن كاملًا، ومن ذلك ”صغار الحفّاظ“ في جائزة الكويت الدولية لحفظ القرآن الكريم في «الدورة 13».

وبرز حفظة من دول العالم في جائزة دبي الدولية في «الدورة 26» في فروع حفظ القرآن وتجويده، ومنهم حفظة من الخليج شاركوا في فئات الصغار، وهذه المسابقات لها أثر كبير في تحفيز الأسر ومراكز التحفيظ على رعاية مواهب الحفظ منذ الطفولة.

وفاز الحافظ سيف مصطفى لطيف كأصغر حافظ قرآن في العراق في مسابقة قرآنية، البالغ من العمر 9 سنوات، بلقب أصغر حافظ كامل للقرآن بعد تنافسه مع الكثير من المشاركين، وهذا الإنجاز جاء بعد تحفيظ منهجي منذ عمر صغير، وتربية أسرية، ودعم من حلقات التحفيظ المحلية.

ونبغ حافظ القرآن الطفل الإيراني محمد حسين طباطبائي، حيث حفظ القرآن كاملًا عند عمر 5 سنوات، واشتهر بالحفظ والتفسير منذ الصغر، وهذا إنجاز غير معاصر لكنه موثق عالميًا، وهو مثال قوي على تأثير البيئة التعليمية على النبوغ للأطفال.

مما يدلل على أن الجمع بين دعم الأسرة والمؤسسات التعليمية يصنع نبوغًا مبكرًا يؤكد الأثر التربوي للأسرة في بناء التوجه وصقل مواهب الأبناء؛ لذلك فإن أدب الطفل من أهم علوم الأدب والتربية الحديثة، فهو يهتم بتكوين شخصية الطفل ونموه العقلي واللغوي والعاطفي والاجتماعي منذ المراحل الأولى من حياته.

وأدب الطفل هو نتاج أدبي وفني يُقدَّم للطفل بهدف التسلية والتعليم وتنمية الذوق الفني، وتكوين القيم الاجتماعية، في شكل قصص، أو مسرح، أو أناشيد، أو رسوم، وألعاب لغوية، سواء كان مكتوبًا، أو مسموعًا، أو مرئيًا ”ككتب، قصص مصورة، أو برامج تلفزيونية، ومسرحيات، إلخ“.

ويهدف أدب الطفل للتنشئة الأخلاقية وغرس القيم وتنمية الخيال والإبداع من خلال القصص الرمزية أو الخيالية، وتعليم اللغة وتنمية الذوق الأدبي وتوسيع الحصيلة اللغوية وتنمية الحس الجمالي والفني عبر الصور والألوان، وغرس حب الوطن والانتماء إلى المجتمع الإنساني.

وشهد أدب الطفل تحولات في المفهوم؛ على أثره انتقل أسلوب التربية من التلقين إلى بناء الخيال العلمي، وقديمًا كان أدب الطفل يهدف إلى تلقي الطفل التوجيه والنصح، أمّا اليوم فقد أصبح هدفه تنمية الخيال العلمي وبناء التفكير وتعزيز حس النقد وتطوير المشاعر والذكاء الانفعالي.

وتحول أدب الطفل من سرد القصة الأسطورية والنمطية إلى سرد القصة الحديثة التي تدعو الطفل إلى الواقعية والاكتشاف، مما عكس تطورًا في الوعي؛ فقد أصبح اهتمام الكتّاب ينصب على معالجة المشاعر مثل الخوف، والغضب، وفقدان الأحبة، ودعم الصحة النفسية، وبناء علاقة عاطفية بين الطفل والكتاب، وهذا اتجاه عالمي موازٍ لعلم النفس الإيجابي.

وضمن التحولات في أدب الطفل برز حديثًا أدب الطفل الرقمي، وتحول القصة من نصٍّ إلى رسوم متحركة تفاعلية تُدمج بها ألعاب تعليمية بتغذية راجعة صوتية، كما أُنتجت كتب الواقع المعزز، وفي هذا النوع يوجّه الطفل كاميرا الهاتف نحو الصفحة، فتنقلب الرسوم إلى مجسمات متحركة.

وتوسع التحول في أدب الطفل في غالب مجالاته؛ فقد ظهرت مجالات جديدة في أدب الطفل تم فيها الدمج بين الأدب والعلوم، أي القصص العلمية للأطفال، ودمج الهندسة والتكنولوجيا والرياضيات والفلك والروبوت والبيئة في قالب قصصي تخيلي ممتع، مثال قصص عن الروبوتات، والفضاء، والذكاء الاصطناعي.

ولم ينحصر التحول في أدب الطفل على التعليم العلمي والتربوي، بل توسع إلى ابتكار أسلوب جديد في العلاج؛ حيث يستخدم الأطباء والمعالجون النفسيون قصصًا خاصة تساعد الأطفال على تقبل الطلاق الأسري، والتغلب على الحزن، والتعامل مع الصدمات، وعلاج القلق، وتعزيز الثقة بالنفس، وهذا المجال أصبح علمًا قائمًا يدرّس في الجامعات.

وشهد أدب الطفل تطورًا في تقنيات الكتابة في هذا المجال، ومراعاة بنية تفكير الطفل؛ حيث اعتمدت الكتابة الحديثة تحديد عمر الطفل القارئ، وأصبح الكاتب يكتب حسب عمر القارئ؛ فالكتابة في أدب الطفل لما قبل 4 سنوات ترتكز على الصورة، وأما ما فوق 4 - 7 من عمر الطفل فالكتابة تعتمد على القصص الخيالية البسيطة، ومن 7 - 12 فالطفل له قابلية التعليم، وهنا الكتابة تنحو للتوجه التعليمي، وما فوق 12 ترتكز الكاتبة على التوسع في التعلم.

وضمن أطوار التحول في أدب الطفل انتقال التصور الذهني للقصص من البطل الخارق إلى الطفل الحقيقي؛ فلم تعد الشخصيات المثالية والملائكية هي المسيطرة، بل شخصيات تخطئ وتتعلم وتكتشف وتتغير وتواجه الواقع، والهدف بناء طفل واقعي لا أسطوري.

ومن التحولات الحديثة في أدب الطفل دخول المؤسسات الرسمية الداعمة لأدب الطفل؛ فقد تم إنشاء المجلس العربي للطفولة والتنمية وتأسيس جائزة اتصالات لأدب الطفل ومبادرة ”كان يا مكان“ ومركز الملك عبد العزيز الثقافي ”إثراء“ في السعودية.

وحديثًا برز توجه جديد يسمى ”أدب الطفل القيمي بلا تلقين“، وهو أدب يحترم عقل الطفل ووجدانه ويُبنى على زرع القيم عبر سرد التجربة والموقف وإشراك الطفل في التفاصيل، مما يتيح له اكتشاف المعاني واستخلاص الدروس، وهذا يجعل اكتساب القيم جزءًا من الوعي وليس التلقين والتلقي المباشر بلا إدراك للمعرفة.

وأدب الطفل اليوم قد مر بثلاث تطورات شكلت قفزة في مسار الأدب العالمي: الأول تطور فكري يهدف لبناء طفل قارئ وواعٍ، والثاني تطور نفسي من خلال نتاج القصص كأداة للعلاج وبناء الشخصية، والثالث تطور تقني؛ فالكتاب لم يعد ورقيًا فقط، بل تفاعليًا ومرئيًا وسمعيًا.

وهناك فارق بين أساليب التربية القديمة وأساليب التربية الحديثة؛ يظهر ذلك في طريقة التعامل مع الطفل؛ فأما دور الأهل في التربية القديمة فقد اعتمد على فرض أسلوب الانضباط والطاعة المطلقة واحترام الكبير دون نقاش، واستخدام العقاب الجسدي أو الشدة كوسيلة للتقويم، وقلة الحوار مع الطفل، والتركيز على الانضباط والالتزام بالعادات والتقاليد، ومن سلبياتها أنها قد تولد الخوف وضعف الثقة بالنفس وضعف مهارات التعبير والحوار واحتمال تراكم مشاعر سلبية عند الطفل.

وأما التربية الحديثة فإنها تعتمد على الحوار والإقناع بدل الأوامر المباشرة، واستخدام العقاب الإيجابي ”مثل الحرمان المؤقت من بعض الامتياز“، والتشجيع على الاستقلالية والثقة بالنفس، ومراعاة الجانب النفسي والعاطفي للطفل، ومن مميزاتها صقل شخصية مستقلة وواثقة وبناء علاقة قوية بين الأهل والطفل تساعد على تنمية التفكير والنقاش، ومن سلبياتها إذا أُسيء تطبيقها أنها قد تتحول إلى دلال زائد يفسد طباع الطفل.

ويتساءل بعض المهتمين بالشأن الاجتماعي والمربين أيهما الأفضل في التربية: الأساليب القديمة أم أساليب التربية الحديثة؟ والجواب أن الأفضل ليس القديم بالكامل ولا الحديث بالكامل، بل التوازن بين الحزم والرحمة، والجمع بين الأسلوب المتوازن، وهو الأقرب لما يُسمى اليوم بـ التربية الإيجابية؛ حيث يكون الأب أو الأم حازمين لكن باحترام وحب.