شُعراء يرسُمون حدُود الوطَن «3».. الشاعرُ السيد عدنان العوَّامي
الشاعرُ عدنان العوَّامي يتشكَّل الوطن لديه من الذاكرةِ والعاطفة، فيعودُ إلى الماضي الجاهِلي ليستعيد معلَّقة طرَفة بن العبد في محبُوبتِه خولة؛ كي يسقطَها على واقعه، مخاطباً محبوبته وراسماً حدود وطنِه، يقول في قصيدةِ «حبيبتي والأرض»:
"لون الينابيع في أرضي يغازلني ** فهل تغارين إن مرت على خلدي
هل تغضبين إذا رفت بذاكرتي ** وأنت تدرين أمري لم يعد بيدي"
من الأنثى وارتباطِها بالأرض ودلالتِها على المكان اتَّجه لرسم علاقتِه مع وطنِه، فخولةُ ليست حبيبةً فقط، إنما دلالةٌ على الوطن والهويِّة والانتماء؛ لهذا خاطبَ أطلالها في قصيدةِ «وقفة على أطلال خولة»:
"سلاماً سلاماً منازل خولة ** سلام الخليل تذكر خِلَّة
تذكر مدرَج أحبابه ** ضِفافاً ومشتَل ضوءٍ ونخلة
وملهى صَباً سوسنيَّ الأديم ** تطوفُ المواسم بالعشق حوله
تذكَّر سِيفاً ورفَّة قِلعٍ ** ونجمةَ صيفٍ تُغازل تلَّة"
اعتبارُ خولة دالةً على الوطنِ والانتماء اتَّضح أكثر في قصيدةِ «من أرض خولة»، التي استعادَ فيها الماضي القريب، متذكراً النخيل والشاطِئ والتضاريس، حيث يخاطبُ المارِّين بجوارها:
"من دار خولة حيَّتك الأغاريد ** ورفَّ حولك من أطيافها العِيد
وطارحتكَ الهوى عينٌ مُدَلَّهةٌ ** وجدولٌ مترَفُ الموَّالِ غِرِّيد"
ويطالبُهم بالبقاء والاستمتاعِ بطبيعتها وجَمالها:
"فارفق برحلِك لا تعجل، فأنت هنا ** ضيفٌ على الشمس والشطآن محسودُ
ضيفٌ على أرَج الليمون يسكُبهُ ** مرجٌ، ويذرِفه طلٌّ، وأُملودُ
خلِّ الرِّكاب. ألا يُغريكَ مبتَردٌ ** صبٌّ، وساقيةٌ ولهى، وعُنقودُ
وموسمٌ وعدُهُ رغدٌ، ونائلهُ ** ظِلٌّ، ونقرةُ عصفورٍ، وقِنديدُ"
في قصيدةِ «صفوى» أيضاً تأكيدٌ على الارتباطِ العميق بينه وبينَ الأرض، حيث يقول مخاطباً أحد أصدقائه:
"أيا ألقاً ينهلُّ فوق ربى صفوى ** إذا ارتبتُ في أمري فعفوَ الهوى؛ عفوا
أجيئكَ مشحوناً بنبضِ مشاعري ** ودفءِ صباباتي. وتحسبها دعوى"
ليتمنَّى في ختامِها البقاء طوال حياتِه:
”تمنيت لو كانت حياتي قصيدةً ** أُغنِّي بها أهلي. أغنِّي بها «صفوى»“
أمَّا في قصيدةِ «العوده» فيستحضرُ ”تاروت“، بتاريخ الموغلِ وشاطئها الساحِر، هرباً من مدن ”القصدير“، التي باتت تبتلعُ الأراضي الزراعيَّة والشواطئ الرمليَّة:
"تاروتُ! جئتكِ مكدودَ الخطى تعبا ** أجرُّ خلفي تاريخاً وظلَّ صِبا
وأمتطي سهر العشاق راحلةً ** إلى شواطيكِ أطوي الحَزن والسُّهبا
تعبتُ من مدن القصدير تُترعني ** ظماً، وتُتخمني أشباحها رَهبا"
مع تغيُّر الحياة وتطوُّرها اضطرَّ إلى الابتعاد عن الشواطِئ والنخيل، والسكنِ في مباني الإسمنتِ والقصدير:
"هُنا. هُنا كان فردوسٌ ولِهت به ** عُلِّقت دُنياهُ، مرجاً مُعشباً ورُبى
ونخلةً حنان الرمل غافيةً.. ** تذودُ عن هُدبها الأقمارَ والشُّهبا
حتَّى إذا اشتطَّ بي جهلي فسوَّل لي ** هِجران شطِّكِ. ظِلًّا وارفاً وصَبا
نسيتُ ملعبَ أحبابي، ومزرعتي ** ورحتُ أحتضنُ القصديرَ ملتهبا"
ظلَّ الشاعر عدنانُ العوامي مخلِصاً للأرض، رغم تطوُّر الحياة وانتشارِ المباني الإسمنتية وتقلُّص المساحات الزراعيَّة، يقول في قصيدة «أنا والأرض»:
"هذا أنا، من نجِيل السِّيف أنسجتي ** وفي ضُروع الدَّوالي موثقٌ بدني
ومن ينابيع أرضي عنفوانُ دمي ** ومن سنا شمسها مستجلِبٌ لَبني
ومن رفيف شذا ليمونها نفَسي ** ومن يماماتها الفصحى صدى لَسَني"
لينتقلَ بعدها ناحية مدُن الوطن وتضاريسِه، حيث يراها قريبةً من بعضِها:
"فإن جفاها بشطئان الجبيل كرىً ** تكحَّلت في ربى سيهاتَ بالوسنِ
أو خيمة في ربى صفوى مطنَّبةٌ ** تُدني السنابس والدمام من حَضَنِ"
«هامش/ حضن: جبل من جهة نجد على حدود الحجاز»
بعدَ الانتهاء من تِعداد المدُن وذكر التضاريس اتَّجه إلى تحديد أبعادِ الوطن ورسم جهاتِه، حيث يمتدُّ من الشام إلى عُمان ومن البحر الأحمرِ إلى خليجِ العرب:
"إن دندنتها تميمٌ في مضاربها ** أغفت عليها بنو بكرٍ وذو يزنِ
أو نسمةٌ سافرت في الصبح من حلبٍ ** تِلقاءَ نزوى رست سكرى على رَدَني
أو موجةٌ نزَّ منها الوجدُ فاحتضنت ** سِيف المنامة، والتفَّت على عدنِ
فهي التي عاش مجدافي يعاتبها ** بشطِّ جِدة يشكوها أذى الزمن"
وطنُ الشاعر عدنانُ العوامي تطوَّر مع كل مرحلةٍ من مراحلِ حياته، فانتقلَ من الذاكرة التراثيَّة إلى مسكنِ الطفولة، ثم امتدَّ إلى البيئة الجغرافيَّة للمملكة بحدُودها المرسومة والمعيَّنة اليوم.

















