التشابكُ الدِّلالي في ديوانِ ”طائرٌ تُخطِئه الطلقات“ للشاعرِ محمد الدُّميني
الحياةُ استعارات يعيشُ بها الإنسان، فحين تضيقُ عليه السُّبل ولا يجد متسعاً للتعبير، يتَّجه ناحية استخلاص العِبَر وتضمينها في المجازات، التي ستصبحُ تجربة حياة وطريقةَ تعبير وأسلُوب عيش؛ ما يفتحُ آفاق التأويلِ والتجريب، لتغدوَ لكل كلمةٍ دلالة، ولكلِّ مفردةٍ معنى، ولكلِّ أسلوبٍ قصدٌ وطريقة، ثم ينتهي الحالُ إلى التجانُس بين الحياةِ الواقعية والمفرداتِ المجازية، هنالكُ يحدث التشابُك والتمازج، حتى يستحيلَ التفريق بينهما.
الحياةُ الواقعية والمفرداتُ المجازية وجهانِ لعملة واحدة، حيثُ المفردات تخاطبُ الوجدان والروح، بينما الحياةُ تخاطب الجسدَ والذاكرة، فالإنسان مُوزَّع بينهما، إذ لا يستطيعُ العيش بلا روح، كما لا يستطيعُ الحياة بلا جسد، هنا يحدثُ التشابك الكبير بينه وبينَ الوجود، فيتفاعلُ معه ويمارس حياته بناءً على استعاراتِه، الأمر الذي يُفضي إلى اشتباكٍ دلالي ناتج عن تشابُكٍ وتمازُجٍ بين المفردات والحيَاة، وهو ما يمكن تلمُّسه في ديوانِ ”طائرٌ تُخطِئه الطَّلقات“ للشاعرِ محمد الدُّميني.
تتسمُ قصائد الديوانِ بالتكثيف والمجازية، فيصعبُ الإمساك بدلالاتها الدَّقيقة، حيث تتحوَّل أجزاء الحياةِ إلى مفردات مُلتبِسة، غادرت معناها المباشرَ إلى معنى بعيد، فيغدو ”الطائر“ إنساناً، وتغدو ”الشجرة“ وجوداً، و”المقبرة“ ذاكرة، و”الصخرة“ عائقاً، و”الغراب“ تفكيراً «غراب»:
"لكي أكتب لا بد من شظية ما
تخترق خرَسي الطويل
غراب يفكِّر بالحِداد
نيابةً عني"
الاشتباكُ الكبير بين الحياةِ والمفردات بحاجة إلى فُسحة من التَّفكير؛ ما يعني الابتعادَ عن الضَّوضاء، لتحضرَ ”العزلة“ باعتبارها الحبلَ السري بين رَحِم الحياة وجنينِ اللغة، حيث تتوالدُ الدلالات وتستمرُّ بالظهور «عزلة»:
"وراء الباب
حكايات ثكلى، سنواتٌ تالفة، وشجيراتٌ
داهَمتها الشموسُ الغاضِبة
فأبْقتْها تُراباً في الحديقة"
تتضخَّم العزلة مع كلِّ كشف، حتى تغدو أساساً ينطلق منه الديوانُ في مقاربة الوجُود، هذا ما يمكنُ ملاحظته من خلال تتبُّع ورودها، وتقاطُعها مع التفكير والتأمُّل، كما في قصيدةِ «رجلٌ قديم»:
"لم تعُد تزورُني الكوابيس
كبُرت قليلاً
وها أنذا أتسكّعُ
في حُقول نومي المقطّع
لكي تخضرَّ شهواتي البعيدة..
لا تقتربْ من هذا الليل
لا تصْرم حشائشهُ
ولا تُوقظِ الهاجعينَ فيه
اتركه أعزلاً
تغرّد فيه طيورٌ ضالّة
وأحلامٌ لم تعُد تستيقِظ"
معَ العزلة تنمو التأويلاتُ وتنفتح الأبواب، وينتقلُ الاشتباك إلى تشابُك، فالمسألة ليست صراعاً بين اللغةِ والحياة، بل تعاونٌ وتآلف وانسجام، حيثُ كل مفردةٍ من مفردات الحياةِ بحاجة إلى تأويلٍ يبتعد بها عن معناها المباشِر، وهنا تمَّت الاستعانةُ بال ”شجرة“، التي ستُصبح معادلاً للوجود، ورَحِماً ينتج الاستعارات «شجرة»:
"هذه الشجرةُ
كانتْ ورقةً
كانت ساقاً نحيلاً
تهاجمُها قُطعان الماعز
كانتْ أغصاناً تتعانقُ فيها العصافير
وظلًّا لعمّال الظهيرة
في أيام القيْظ
وكانتْ ملعباً لمن يقبضُ على التِّين أولاً
وكانتْ مهجعاً للريح
التي تطيشُ
وتبقِينا رهائنَ بين الأرض والسماء"
من الاشتباكِ إلى التشابك ومن المباشرةِ إلى التأويل ومن السهولةِ إلى التكثيف، يمارسُ الديوان تحويلَ المفردات إلى استعاراتٍ قابلة للنموِّ والانتشار، فكما أن العلاقةَ بين أجزاء الوجودِ تقوم على التلاقي والتلاقُح، كذلك أغصانُ الشجرة تقوم على ذاتِ الأساس، الأمر الذي يعني التماثُل التام بين الشجرةِ والوجود.
استثمرَ الديوان التماثُل بين الوجودِ والشجرة؛ لينتجَ تجربته المختلفةَ التي تقوم على توزيعِ الدلالات، وعدمِ الاكتفاء بحصرها ضِمنَ قصيدة من القصائِد، فجعلها تمتدُّ وتشارك في صناعةِ المعنى وبناءِ الدلالة، حتى أصبحت القصائدُ المختلفة قصيدةً واحدة متجانسة، ذات دلالاتٍ متآلِفة.
التشابكُ أن تصبح القصائدُ قصيدة واحدة مركَّبة، تنطلق من دلالةٍ مركزية، تتضمَّن استعارات الحياةِ ومجازاتها، وهذا ما يمكنُ رؤيته في الديوان، إذ الشاعرُ مارس نوعينِ من التضمين؛ مباشرٌ وغير مُباشِر.
المباشرُ يشير إلى تضمينِ القصيدة كَلِمة وردت في عناوينِ قصائد أخرى، مثل ”خدر عنيزة - أغنام - صلوا في بيوتكم“، التي تتقاطعُ مع قصيدةِ ”عصافير“.
من قصيدةِ «خدر عنيزة»: ”أشجارٌ تكنزُ عصافيرَ الليل / رعاةٌ يحمُون أغنامهم بالأغاني / لكي لا تقطعَ طريقهم الذئاب“.
من قصيدةِ «أغنام»: ”كان نائماً / ساعة الظَّهيرة / تحت شجرةٍ نسيتها العصافير“.
من قصيدةِ «صلوا في بيوتكم»: ”في العُزلة / أكفانٌ تتمدّد على حبل غسيل / وقتٌ يسيلُ بين أقدامنا كحِرباء / أشجارٌ تتربّص بعصافيرها / وأحفادٌ / يقتادُوننا إلى الشاطئ المجاور“.
التضمينُ غير المباشرِ يشير إلى الاستعانةِ بكلمة أو عِبارة؛ تؤدِّي المعنى الواردَ في عناوين القصائِد، دون ذكرِها باللفظ، مثلَ ”رجل قديم - طائر تخطئه الطلقات“ التي تقاطعت مع قصيدةِ ”نزوات“.
من قصيدةِ «رجل قديم»: ”كبُرت قليلاً / وها أنذا أتسكّعُ / في حُقول نومي المقطّع / لكي تخضرَّ شهواتي البعيدة..“
من قصيدةِ «طائر تخطئه الطلقات»: ”كان يرمي بنِبالهِ في الوادي / ليصطادَ طيف امرأة / ويتهيّأ للحب“

















