آخر تحديث: 27 / 2 / 2026م - 12:44 ص

حين يتحول الثقل الاقتصادي إلى فرصة تنموية

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

حين يُذكر اسم المنطقة الشرقية، يتبادر إلى الذهن النفط والصناعة. لكن القراءة الحديثة للأرقام تكشف أن الشرقية تجاوزت هذه الصورة الأحادية، وأصبحت نموذجًا لتحول اقتصادي متنوع ينعكس على فرص العمل، وجودة الحياة، وجاذبية الاستثمار.

ما يلفت الانتباه خلال السنوات الخمس الأخيرة ليس فقط استمرار الثقل الصناعي، بل اتساع رقعة المشاريع الاستثمارية غير النفطية في المنطقة. تقارير وزارة الاستثمار تشير إلى نمو ملحوظ في تراخيص الاستثمارات الجديدة في الشرقية، مدفوعة بقطاعي الصناعة والخدمات اللوجستية، إلى جانب توسع في قطاعات الضيافة والترفيه والتجزئة. وبحسب بيانات سوق العمل، شهد القطاع الخاص في الشرقية نموًا في عدد العاملين بمعدلات متقدمة مقارنة ببعض المناطق الأخرى، مدفوعًا بتوسع المشاريع الصناعية واللوجستية والسياحية.

عند مقارنة معدل نمو الوظائف في القطاع الخاص خلال السنوات الأخيرة، تظهر الشرقية ضمن المناطق الأعلى نموًا خارج العاصمة. فالشرقية تحافظ على موقع متقدم بوصفها مركزًا صناعيًا واستثماريًا، مع نمو ملحوظ في الوظائف الفنية والهندسية والتشغيلية، إضافة إلى ارتفاع الطلب على الوظائف التقنية والرقمية بنسبة تتجاوز 15% سنويًا في بعض القطاعات الخدمية. هذا النمو لم يقتصر على الدمام والخبر والجبيل، بل امتد إلى مدن أخرى في المنطقة.

في الأحساء، يتقاطع النشاط الزراعي التقليدي مع حراك سياحي متنامٍ بعد تسجيل الواحة ضمن قائمة التراث العالمي، ما أوجد فرصًا في الإرشاد السياحي، المشاريع الصغيرة، الصناعات الغذائية، والفعاليات الثقافية. الأحساء اليوم ليست فقط واحة تاريخية، بل مساحة اقتصادية مرشحة للنمو في قطاعات السياحة البيئية والمنتجات المحلية.

أما حفر الباطن، فتمثل نقطة لوجستية مهمة بحكم موقعها الجغرافي. توسع النشاط التجاري والخدمي فيها يعزز فرص العمل في النقل، التوزيع، والخدمات الداعمة، خاصة مع تحسن البنية التحتية والطرق الرابطة بين المناطق.

وفي الخفجي، يستمر قطاع الطاقة والخدمات البحرية في لعب دور أساسي في توفير وظائف هندسية وفنية، مع إمكانات للتوسع في مجالات البيئة والطاقة النظيفة، ما يفتح أفقًا جديدًا للمهارات المتخصصة.

إلى جانب ذلك، تشهد الشرقية حراكًا حضريًا واضحًا في تطوير الواجهات البحرية وتحسين المشهد العمراني، وهو ما يعزز قطاعات الضيافة والترفيه والمطاعم والتجزئة، ويفتح مجالًا واسعًا لرواد الأعمال والشباب الباحثين عن فرص في الاقتصاد الخدمي.

ومن زاوية استراتيجية، تظل الجبيل حالة خاصة تستحق الاستثمار المختلف. المدينة المخططة بعناية، ذات البنية التحتية المستقرة والمساحات المنظمة، مؤهلة لتكون نموذجًا وطنيًا لمدينة صديقة للمتقاعدين. مع توقع ارتفاع نسبة كبار السن في المملكة خلال العقدين المقبلين، يمكن للجبيل أن تتحول إلى مركز متكامل لحياة مستقرة تتوفر فيها خدمات صحية متخصصة، ومرافق مجتمعية، وشبكة نقل بالحافلات تسهّل الحركة دون الاعتماد الكامل على السيارة. هذا النوع من التخطيط المبكر لا يخلق جودة حياة فقط، بل يفتح سوق عمل متخصص في خدمات الرعاية طويلة الأمد، والأنشطة المجتمعية، والخدمات الصحية المساندة.

الشرقية أيضًا ليست اقتصادًا فقط، بل مجتمعًا أخرج فنانين وإعلاميين ومبدعين أثروا المشهد الثقافي السعودي. هذا التنوع البشري يمثل قوة ناعمة توازي القوة الصناعية، ويعزز من قدرة المنطقة على بناء هوية متكاملة تتجاوز الأرقام.

الشرقية لم تعد تُقرأ بوصفها منطقة صناعية فقط، بل كمساحة تنموية متعددة الأبعاد: صناعة، سياحة، لوجستيات، ثقافة، ورعاية صحية. والأرقام تشير إلى أن نموها الوظيفي والاستثماري يجعلها في موقع متقدم ضمن خريطة التحول الاقتصادي الوطني.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
محمد المرهون
[ القطيف ]: 26 / 2 / 2026م - 4:53 م
مقال جميل جدا
استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي