صوم خواص الخواص
هلَّ علينا شهر رمضان المبارك هذا العام 1447 هـ / فبراير 2026 م، والجو، ولله الحمد، معتدل مريح، مما يسهل على العاملين، وخاصة في الأعمال الشاقة، الصيام دون مشقة وعناء.
أعجبني حديث سماحة الشيخ حسن الصفار، حفظه الله، في خطبة الجمعة من آخر شهر شعبان 1447 هـ بعنوان ”إدارة الوقت“ في شهر رمضان، وركز سماحته في خطبته على الاستفادة القصوى من كل ساعة من ساعات هذا الشهر الفضيل، من خلال إدارة الوقت لتحصيل وجني أكبر قدر من الأجر والثواب.
كذلك استمعت إلى قراءة الخطيب الحسيني فضيلة الشيخ محمد أبو زيد، حفظه الله، في بداية ليالي هذا الشهر الشريف، في حسينية المودة بحي الرضا؛ إذ أوضح فضيلته في محاضرته القيمة أن الصوم ينقسم إلى ثلاثة: صوم العوام، وهو المعلوم من ترك المفطرات المذكورة في الرسائل العملية للفقهاء المراجع، حفظهم الله، وصوم الخواص، وهو من يقوم بترك المفطرات بالإضافة إلى صوم الجوارح من اللسان والنظر والسمع وغيرها، وصوم خواص الخواص، وهو من يجمع الأول والثاني بالإضافة إلى عدم التفكير في أصل العمل المحرم، بل والمكروهات.
ورد عن الإمام الصادق،
، أنه قال: إذا أصبحت صائمًا فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك وجميع جوارحك.
وورد أيضًا عنه،
: لا يكن يوم صومك كيوم إفطارك.
شهر رمضان ثلاثون يومًا أو أقل بيوم على حسب ثبوت الهلال، ستمر أيامه ولياليه بسرعة البرق، كما يقال، فالسعيد من استطاع جمع المزيد والمزيد من العطايا والهبات الإلهية التي أعدها الله لعباده الصائمين.
شهر رمضان هو شهر الله، وقد أعد للصائمين ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ببال بشر، فلا ينبغي تفويت الفرص، وقد ورد: ”اغتنموا الفرص فإنها تمر مر السحاب“.
في سائر الشهور تقرأ القرآن فتُحسَب لك الآية أو السورة بقدرها، أما في شهر الله فيحصل القارئ بكل حرف على عشر حسنات، فقد جاء عن رسول الله، ﷺ، أنه قال: من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف. يعني بحسابنا ثلاثين حسنة.
وورد عن الإمام الرضا،
، أنه قال: من قرأ في شهر رمضان آية من كتاب الله عز وجل، كان كمن ختم القرآن في غيره من الشهور.
أعجبني منظر جميل أثلج صدري وربما القارئ كذلك، ذهبت كالعادة للاستماع في حسينية المودة بحي الرضا، فوجدت قارئ القرآن الحاج محمد جليح يقرأ كالمعتاد، لكنني رأيت مجموعة من الأولاد، وكل واحد منهم عنده مصحف يقرأ ويتابع مع القارئ، وكل ليلة يزيد العدد لأن بعضهم يشجع بعضًا، فقلت لهم بعد القراءة: من شجعكم على هذه الفكرة الجميلة؟ قالوا: آباؤنا وأمهاتنا! كما لاحظت أحد الآباء يشارك أبناءه مع المجموعة.
حاول أخي العزيز أن تعود نفسك، إذا كنت غير معتاد، على أن تكون دائمًا على طهارة، أي كن على وضوء، فهذا له آثار وطاقة إيجابية على ملكات النفس، جرب وسترى، بالإضافة إلى الأجر المضاعف. قد تبدأ هذه الممارسة العبادية في هذا الشهر، وتجد نفسك فيما بعد تواظب عليها وتعتبرها جزءًا من الكمال الأخلاقي، وتكون متهيئًا لقراءة القرآن أو أداء الصلوات متى شئت، جاء في خطبة النبي، ﷺ: أنفاسكم فيه تسبيح، ودعاؤكم فيه مستجاب.
”واجعل لساني بذكرك لهجًا...“ جميل الإنسان في هذا الشهر الشريف أن يرطب لسانه بالاستغفار وقراءة بعض السور القصار كسورة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾، والإكثار من الصلاة على محمد وآله وغيرها من الأذكار.
احرص أخي الكريم على أن تعود نفسك في هذا الشهر الكريم على قراءة الأدعية المخصوصة، مثل دعاء الافتتاح، ودعاء أبي حمزة الثمالي، ودعاء مكارم الأخلاق، ودعاء الجوشن الكبير، ودعاء السحر حسب ما تستطيع، كما أن هناك أدعية قصيرة يستحب قراءتها بعد الصلاة مثل:
”اللهم رب شهر رمضان الذي أنزلت فيه القرآن، وافترضت على عبادك فيه الصيام، صل على محمد وآل محمد، وارزقني حج بيتك الحرام في عامي هذا وفي كل عام، واغفر لي تلك الذنوب العظام، فإنه لا يغفرها غيرك يا رحمن يا علام“.
”يا علي يا عظيم، يا غفور يا رحيم، أنت الرب العظيم الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهذا شهر عظمته وكرمته وشرفته وفضلته على الشهور، وهو الشهر الذي فرضت صيامه علي وهو شهر رمضان الذي أنزلت فيه القرآن، هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وجعلت فيه ليلة القدر وجعلتها خيرًا من ألف شهر. فيا ذا المن ولا يمن عليك، من علي بفكاك رقبتي من النار فيمن تمن عليه، وأدخلني الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين“.
”اللهم أدخلْ على أهل القبور السرور، اللهم أغنِ كل فقير، اللهم أشبعْ كل جائع، اللهم اكسُ كل عريان، اللهم اقضِ دَين كل مدين، اللهم فرج عن كل مكروب، اللهم رد كل غريب، اللهم فك كل أسير، اللهم أصلحْ كل فاسد من أمور المسلمين، اللهم اشفِ كل مريض، اللهم سد فقرنا بغناك، اللهم غير سوء حالنا بحسن حالك، اللهم اقض عنا الدين وأغننا من الفقر إنك على كل شيء قدير“.
بالإضافة إلى الإكثار من دعاء ”اللهم اجعلنا في هذا الشهر الشريف من عتقائك من جهنم، وطلقائك من النار، ومن سعداء خلقك بمغفرتك ورضوانك يا كريم“.
قراءة سورة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ عند الإفطار والسحور. ففي الحديث: ”ما من مؤمن صام فقرأ سورة القدر عند سحوره وعند إفطاره إلا كان فيما بينهما كالمتشحط بدمه في سبيل الله“.
ويدعو عند الإفطار: ”اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت وعليك توكلت“.
لا تَفُتْكَ صلاةُ ركعتين كل ليلة يقرأ فيها بعد الفاتحة ثلاث مرات سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
بعد الصلاة تقول:
”سبحان من هو حفيظ لا يغفل، سبحان من هو رحيم لا يعجل، سبحان من هو قائم لا يسهو، سبحان من هو دائم لا يلهو. ثم تسبح بالتسبيحات الأربع: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، سبع مرات، ثم تقول: سبحانك سبحانك سبحانك يا عظيم اغفر لي الذنب العظيم، ثم تصلي على النبي وآله عشر مرات“. من صلى هذه الصلاة غفر الله له سبعين ألف سيئة.
كما لا تنس الغسل في الليالي الفردية؛ الأولى والثالثة والخامسة وهكذا.
حاول أن تطلع على خطبة النبي، ﷺ، في آخر جمعة من شهر شعبان، وهو يصف شهر رمضان وما أعده الله من الأجر والثواب للصائمين، نقتطف بعضًا منها لتشويق شبابنا وشاباتنا:
روى الإمام الرضا،
، عن آبائه،
، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب،
، أنه قال: إن رسول الله، ﷺ، قد خطبنا ذات يوم فقال: ”أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وأيامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب. فسلوا الله ربكم بنيات صادقة، وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه، وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم“.
رأيت هذا العام ظاهرة جميلة جدًا في حينا، الرضا، وهو حضور مكثف للنسوة في مسجد الإمام زين العابدين، قسم النساء، يصلين جماعة ثم تبدأ حلقات قراءة القرآن الكريم بعد الصلاة مقدار ساعة، ثم يتوجهن لمنازلهن، كم هي خطوة روحانية رائعة نتمنى أن تعم سائر الأحياء.
أعرف أناسًا يواظبون على صلاة جعفر الطيار، رضوان الله عليه، كل يوم، بعضهم يصلي في النهار وبعضهم يصلي في الليل. لا يخلو بيت من المؤمنين من وجود كتاب ”مفاتيح الجنان“ للشيخ عباس القمي، عليه الرحمة، أو تحميله على الجوال لاغتراف كنوز الأدعية والصلوات المخصوصة في أيام وليالي شهر رمضان المبارك.
يقول الشاعر المرحوم السيد مهدي الأعرجي:
لا تركنن إلى الحياة * إن المصير إلى الممات
واعمل وكن متزودًا * بالباقيات الصالحات
واغنم لنفسك فرصةً * تنجو بها قبل الفوات

















