آخر تحديث: 27 / 2 / 2026م - 12:44 ص

خُلع أو طلاق… لماذا الاحتفال؟

عبد الله أحمد آل نوح *

لم يكن الطلاق يومًا مناسبة للفرح، ولا عرف المجتمع العربي أن تُعلَّق الزينة عند انفصال زوجين كانت بينهما عِشرة وبيت وأيام. فالزواج في ثقافتنا يرتفع فوق كونه ارتباطًا عاطفيًا، فهو ميثاق غليظ كما وصفه القرآن الكريم: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ، ووصف ثقيل لا يُطلق إلا على علاقات لها وزنها الأخلاقي وعمقها الإنساني. وحتى حين يستحكم الخلاف وتصل الطرق إلى نهاياتها، يبقى الطلاق حلًا مشروعًا لكنه ليس حدثًا يُحتفى به.

السنوات الأخيرة حملت معها ظاهرة جديدة لا تشبه قيم المجتمع، وهي الاحتفال بالخلع أو الطلاق وكأن الانفصال إنجاز يستحق الظهور، لا تجربة إنسانية تستحق التأمل. انتقلت الموجة من مواقع التواصل إلى الواقع، فباتت بعض المشاهد تُصوَّر وتنشر، وتظهر فيها ملامح الاحتفال تحت عناوين ”التحرر“ أو ”البداية الجديدة“، رغم أن الواقع النفسي يقول إن الانفصال ليس انتصارًا بل لحظة تحتاج إلى نضج وهدوء.

التشريع الإسلامي رسم صورة واضحة لطبيعة الانفصال بقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ، وهي قاعدة أخلاقية تؤكد أن الطلاق يجب أن يتم بشرف واحترام، لا باستعراض. فالإحسان لا يجتمع مع الكاميرات، ولا يُعلن عبر مظاهر الاحتفال، بل يُمارَس عبر حفظ الكرامة وصون ما تبقى من أثر العلاقة في نفوس الجميع.

هذه الظاهرة لم تنشأ من فراغ؛ فالتقليد الأعمى لثقافات أخرى، وغلبة المحتوى السريع الذي يصنعه المؤثرون، وانتشار فكرة ”إظهار القوة“ كلها عوامل غذّت هذا السلوك. ومع انحسار الخصوصية وتضخم الرغبة في الظهور، أصبح بعض الناس ينشرون لحظاتهم الشخصية دون التفات إلى أثرها على الأبناء والعائلتين والمجتمع، حيث يجد الطفل نفسه أمام مشهد يُضعف مفهوم الأسرة في قلبه، وتجد العائلتان ما يُسيء إلى صورتهما، ويقرأ المجتمع رسالة مشوَّشة عن معنى الزواج.

الاحتفال بالطلاق لا يداوي جراحًا، لكنه يغطيها بضجيج مؤقت، ويمنح لحظة الانفصال حجمًا أكبر مما تستحق. والأخطر أنه يعيد تشكيل نظرة الجيل الجديد للعلاقات، فيرى الزواج مرحلة سهلة والانفصال حدثًا خفيفًا يمكن أن يُوثّق ويُنشر دون وزن للمسؤولية.

البيوت التي بُنيت على المعروف تُفارق بالمعروف، والكرامة التي وُضعت في بداية الزواج يجب أن تُحترم عند نهايته أيضًا. فليس كل ألم يصلح أن يصبح مقطعًا، وليس كل نهاية تستحق أن تكون حفلة، ولا كل قرار يليق به أن يُشارك العامة. بين الإمساك بمعروف والتسريح بإحسان مساحة واسعة من الأخلاق، يكفي أن نلتزم بها حتى لا يتحول الانفصال إلى ظاهرة اجتماعية تمس قيمة الزواج في جذوره.

عضو مجلس المنطقة الشرقية ورجل أعمال