آخر تحديث: 27 / 2 / 2026م - 12:44 ص

من عبق الماضي: التلفزيون وذكريات الطفولة في القطيف

حسن محمد آل ناصر *

عرفت المنطقة الشرقية ومنها القطيف التلفزيون في وقت مبكر مع البث الذي انطلق من الظهران ضمن مشاريع أرامكو السعودية في خمسينيات القرن العشرين، وقبل توسع البث الرسمي في المملكة لاحقًا، ومع دخول أجهزة التلفزيون إلى المنازل أصبح وسيلة ترفيه تُشاهد في أوقات محدودة أكثر من كونه جزءًا دائمًا، وبفضل الموقع الجغرافي القريب من الخليج تمكن الأهالي من استقبال بث تلفزيون الكويت وتلفزيون البحرين عبر الهوائيات المنزلية، مما أتاح تنوعًا في البرامج والدراما وأعمال الأطفال، وأسهم في تكوين ذاكرة إعلامية خليجية مشتركة ظلت حاضرة في وجدان جيل كامل.

لم يدخل التلفزيون إلى بيوت القطيف باعتباره ثورة مفاجئة غيرت شكل الحياة، لكنه جاء متدرجًا هادئًا كضيف جديد يتعرف إلى العائلة شيئًا فشيئًا، وكانت الحياة قبل حضوره مكتملة بعناصرها الاجتماعية، والمجالس عامرة، والأزقة مليئة بالألعاب الشعبية، والأحاديث تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل؛ لذلك لم يُنظر إليه في بدايته كحاجة أساسية، بل كوسيلة إضافية للمتعة وكسر رتابة الوقت، حيث يُفتح حين يتوفر الفراغ ويُغلق بسهولة دون شعور بالفقد.

في ستينيات القرن العشرين، ومع بدء البث التلفزيوني الرسمي في المملكة العربية السعودية، بدأ الجهاز يشق طريقه نحو المنطقة الشرقية ثم إلى القطيف في سنوات لاحقة، ولم يكن امتلاك التلفاز أمرًا شائعًا في البداية، فوجوده في منزل واحد كان كافيًا ليجتمع حوله الجيران والأقارب. أجل، لم يكن التلفزيون تجربة فردية، لكنه كان تجربة جماعية تُبنى على المشاركة، وكان الأطفال يجلسون متقاربين أمام الشاشة، بينما يقف الكبار خلفهم أو يتابعون من أطراف المجلس، لا لأنهم شغفون بالمشاهدة بقدر ما كانوا يشاركون أبناءهم لحظة الفرح.

كان الجهاز نفسه يحمل ملامح زمنه: صندوق خشبي ثقيل، وأزرار ميكانيكية تُدار يدويًا، وشاشة محدبة تحتاج دقائق حتى تستقر صورتها، وأحيانًا تتلون الصورة أو تهتز، فيتحول ضبط الهوائي إلى مهمة عائلية يومية؛ يصعد أحدهم إلى السطح ليدير ”الأريل“، بينما تأتي التعليمات من الأسفل: يمين قليلًا، قف! وكأن الصورة لا تكتمل إلا بتعاون الجميع، وهذه التفاصيل الصغيرة جعلت مشاهدة التلفزيون فعلًا حيًا لا مجرد ضغط زر.

وكان البث محدودًا بساعات معينة، يبدأ صباحًا وينتهي ليلًا، وعندما تغلق المحطات ”القنوات“ إرسالها تظهر تلك الشاشة المليئة بالنقاط البيضاء المصحوبة بصوت ثابت، والتي عرفها الأطفال باسم ”الوشواش، الوشوشة“، ولم تكن مجرد نهاية للبث، بل نهاية لليوم كله، إشارة غير معلنة بأن السهرة انتهت وأن البيوت تستعد للنوم.

ورغم حضور التلفزيون ظل المجتمع في القطيف محافظًا على إيقاعه الديني والاجتماعي الخاص، ففي شهري محرم وصفر كانت كثير من البيوت تغلق التلفاز تمامًا احترامًا لأيام العزاء وإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين ، إذ تتحول الحياة اليومية إلى المشاركة في المجالس الحسينية والمسيرات والأنشطة الدينية، وكان الأطفال أنفسهم يدركون أن هذا زمن مختلف، زمن السكون والتأمل، فتخفت أصوات الترفيه لتحل محلها أصوات المراثي والدعاء والزيارة.

وكذلك في شهر رمضان، ورغم ارتباطه بذكريات المشاهدة، إلا أن التلفزيون لم يكن حاضرًا طوال الوقت، ففي ليالي القدر وليالي استشهاد الإمام علي كانت الشاشات تُطفأ عمدًا احترامًا لقدسية اللحظة، ويتجه الجميع إلى العبادة وإحياء الليلة بالاستماع للمصيبة واللطم مشيًا من مكان إلى آخر، وحتى مناسبات وفيات الأئمة خلال العام كان إغلاق التلفزيون تعبيرًا تلقائيًا عن المشاركة الوجدانية مع الحدث الديني، مما يعكس العلاقة المتوازنة بين التقنية والقيم الاجتماعية الدينية.

وعلى مدار السنة بقي التلفزيون وسيلة ترفيه لا مركز حياة، وكان الكبار يرونه شيئًا ثانويًا، بينما يجد فيه الأطفال عالمًا واسعًا يتجاوز حدود الحي، وبعد انتهاء البرامج يعود الجميع سريعًا إلى واقعهم اليومي كالزيارات العائلية واللعب في الساحات والبراحات والأزقة والطرقات أو جلسات حديث طويلة، ولم يكن أحد يشعر بالحاجة إلى البقاء أمام الشاشة لساعات، لأن الحياة خارجها كانت أكثر حضورًا.

ومع ذلك تركت الدراما الخليجية، وخاصة الكويتية، أثرًا عميقًا في الذاكرة، فقد استطاعت الأعمال التراثية أن تعكس البيئة القريبة من المجتمع، فبدت شخصياتها مألوفة وكأنها جزء من الحياة اليومية. تابعنا بشغف أعمالًا مثل درب الزلق والغرباء وبدر الزمان والإبريق المكسور ومدينة الرياح، بالإضافة إلى الحكايات الشعبية المصورة مثل علاء الدين وعلي بابا والطماعون، كانت هذه الأعمال تقدم الخير والشر في صورة واضحة، فتغرس القيم بطريقة غير مباشرة، وتمنح الطفل إحساسًا بأن العدالة ممكنة وأن الخير ينتصر دائمًا.

وساهم في ترسيخ هذه الذاكرة حضور نجوم كبار أصبحوا جزءًا من وجدان المشاهد الخليجي، مثل خالد العبيد الذي جسد الشخصيات الصارمة الشريرة ذات الحضور القوي، وعبد الرحمن العقل بخفة ظله القريبة من روح الأسرة، وحياة الفهد التي جسدت الأم الخليجية بحكمتها ودفئها في مسلسل إلى أبي وأمي مع التحية، وإلى جانب آخر إبراهيم الحربي وأحمد الصالح وجاسم النبهان، الذين منحوا تلك الأعمال عمقًا إنسانيًا جعلها تعيش طويلًا في الذاكرة.

وفي الثمانينيات والتسعينيات تحديدًا بلغت برامج الأطفال والتعليم ذروة تأثيرها، فقد شكلت برامج مثل ”افتح يا سمسم“ و”المناهل“ و”بابا ياسين“ و”العلم والإيمان“ وغيرها مدرسة تربوية حقيقية، تعلم منها الأطفال اللغة العربية والسلوك الاجتماعي واحترام البيئة والمعرفة العلمية، وكان مسلسل بابا فرحان قريبًا من عالم الطفل يقدم القيم اليومية بلغة بسيطة محببة.

أما الرسوم المتحركة فقد فتحت باب الخيال على مصراعيه، عشنا مع عدنان ولينا معنى الصداقة والأمل، ومع حكايات عالمية تنوع القصص الإنسانية، وتابعنا مغامرات نحول وبشار وهايدي وسالي وفلونه ومغامرات توم سوير وليدي أوسكار، وكما عشنا الحماس مع الرجل الحديدي وغرنديزر وجونكر وفارس الفتى الشجاع وريمي وسازوكي والنمر المقنع وغيرها، وهي من أعمال لم تكن مجرد تسلية، لكنها غذت الخيال ووسعت أفق الطفل خارج حدود المكان.

وكان وراء هذا الحضور الإعلامي المؤثر مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي أسست عام 1976 في الكويت بهدف إنتاج إعلام تربوي وثقافي يعزز الهوية الخليجية المشتركة، وقدمت عبر عقود طويلة برامج تعليمية وثقافية أسهمت في تشكيل وعي أجيال كاملة.

عندما نستعيد اليوم تلك السنوات من ذاكرة القطيف تنكشف لنا حقيقة دافئة تشبه ضوء المساء القديم، فالتلفزيون لم يكن يومًا مركز الحياة، لكنه كان شاهدًا صامتًا عليها، ولم يسحب الناس من بعضهم، لكنه كان سببًا لاجتماعهم، يتركهم ليعودوا إلى أحاديثهم الطويلة وضحكاتهم في الأزقة وحياة أوسع من حدود الشاشة، ولهذا بقيت ذكرياته نابضة في القلوب لأنها ارتبطت بزمن كان فيه الإنسان أقرب إلى الإنسان، وكانت التقنية ضيفًا خفيفًا لا سيدًا حاضرًا، وكانت الشاشة مجرد فصل صغير من الحكاية، بينما الحياة بكل دفئها وتفاصيلها وعبقها كانت تُكتب خارجها، حيث كان الماضي أجمل لأنه كان يُعاش لا يُشاهد فقط.