آخر تحديث: 26 / 2 / 2026م - 1:21 ص

عبارة «جايك من طرف فلان» وأثرها في إعاقة ازدهار العمل التجاري

يقوم العمل التجاري، في جوهره، على مبدأ العدالة في التعاقد والتوازن بين ما يُقدَّم من جهد أو خدمة وما يُقابله من أجر. ومع تطور الدولة الحديثة، أُرسيت قواعد تنظيم الأسواق ومنع الاستغلال والغبن، حمايةً للأطراف وضمانًا لاستقرار النشاط الاقتصادي.

ويُعد عنصر الثقة والائتمان من أبرز ما يميز العمل التجاري، لا سيما في مجال الخدمات؛ إذ إن العميل لا يشتري منتجًا ملموسًا، بل يتعامل مع خبرة ومهارة وسمعة شخص أو جهة معينة. لذلك، فإن اختيار مقدم الخدمة يقوم غالبًا على اعتبارات شخصية، مثل سمعته، سنوات خبرته، وجودة أدائه، وهو ما يجعل العلاقة التعاقدية أكثر حساسية من غيرها.

إلا أن الإشكالية تظهر حين يستغل طالب الخدمة هذا الاعتبار الشخصي، فيتقدم إلى مقدمها متكئًا على معرفة سابقة أو على عبارة من قبيل: «جايك من طرف فلان». وتتحول هذه العبارة - التي يفترض أن تكون وسيلة للتعريف أو التزكية - إلى أداة ضغط معنوي، يُحرَج بها مقدم الخدمة، ويُدفع ضمنًا إلى تقديم عمله دون مقابل عادل، أو بأجر زهيد لا يتناسب مع الجهد المبذول، استغلالًا للعلاقة الاجتماعية أو الحرج الأدبي لا لرضا تعاقدي صحيح.

إن شيوع هذا الأسلوب لا يضر بمقدم الخدمة فحسب، بل ينعكس سلبًا على بيئة العمل التجاري ككل؛ إذ يرسّخ ثقافة الانتقاص من قيمة الجهد المهني، ويضعف مبدأ العدالة في التعاقد، ويحول العلاقات الاجتماعية من عامل دعم إلى عبء يعيق التطور والاستدامة. فازدهار الأعمال لا يتحقق بالمجاملات ولا بالضغوط غير المباشرة، بل بالوضوح، والاحترام المتبادل، وتقدير العمل بقيمته الحقيقية.

إن هذا السلوك يُعد إخلالًا بمبدأ حرية التعاقد، ومساسًا بقيمة العمل المهني، ويؤدي إلى تشويه بيئة الأعمال، ويكرّس ثقافة الاستغلال بدلًا من الاحتراف، بما ينعكس سلبًا على جودة الخدمات واستدامة مصادر الرزق.

حيث إن العلاقات الاجتماعية لا تُنشئ حقًا، ولا تُسقط أجرًا، ولا تُبيح استغلالًا.

وأي عمل يُقدَّم دون مقابل عادل هو صورة من صور الاعتداء على الجهد والرزق، وإن غُلّف بالمجاملة.

فازدهار المجتمع الاقتصادي لا يتحقق بـ«من طرف فلان»، بل بعقود واضحة، وأجور عادلة، واحترام لا يقبل المساومة.