ما سر حضور الحج في الدعاء الرمضاني؟
كان الإمام الصادق
يدعو بهذا الدّعاء في شهر رمضان:
”اللهُمَّ إنّي بِكَ وَمِنكَ أطلُبُ حاجَتي، وَمَن طَلَبَ حاجَةً إلى النّاسِ فَإنّي لا أطلُبُ حاجَتي إلاّ مِنكَ وَحدَكَ لاشَريكَ لَكَ، وَأسألُكَ بِفَضلِكَ وَرِضوانِكَ أن تُصَلّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَأهل بَيتِهِ، وَأن تَجعَلَ لي في عامي هذا إلى بَيتِكَ الحَرامِ سَبيلاً حِجَّةً مَبرورَةً مُتَقَبَّلَةً زاكيَةً خالصةً لَكَ تَقَرُّ بِها عَيني وَتَرفُعُ بِها دَرَجَتي، وَتَرزُقَني أن أغُضَّ بَصَري وَأن أحفَظَ فَرجي وَأن أكُفَّ بِها عَن جَميعِ مَحارِمِكَ حَتَّى لايَكونَ شيءٌ آثَرَ عِندي مِن طاعَتِكَ وَخَشيَتِكَ، وَالعَمَلِ بِما أحبَبتَ وَالتَّركِ لِما كَرِهتَ وَنَهَيتَ عَنهُ، وَاجعَل ذلِكَ في يُسرٍ وَيَسارٍ وَعافيَةٍ وَما أنعَمتَ بِهِ عَلَيِّ، وَأسألُكَ أن تَجعَلَ وَفاتي قَتلاً في سَبيلِكَ تَحتَ رايَةِ نَبيِّكَ مَعَ أوليائِكَ، وَأسألُكَ أن تَقتُلَ بي أعدائكَ وَأعداءَ رَسولِكَ، وَأسألُكَ أن تُكرِمَني بِهَوانِ مَن شِئتَ مِن خَلقِكَ، وَلا تُهِنّي بِكَرامَةِ أحَدٍ مِن أوليائِكَ. اللهُمَّ اجعَل لي مَعَ الرَّسولِ سَبيلاً، حَسبيَ اللهُ ما شاءَ اللهُ.“ [1]
يحضر طلب الحج حضورًا لافتًا في أدعية شهر رمضان الليلة والنهارية وتلك التي ضمن تعقيبات الصلاة، حتى تكاد نصوص الدعاء الرمضاني تجعل التطلع إلى بيت الله الحرام جزءًا من البرنامج الروحي للصائم. وهذا الحضور ليس أمرًا عابرًا أو مجرد تكرار لفظي، بل هو انعكاس لعلاقة عميقة بين موسمين عظيمين في حياة المؤمن: موسم الصيام وموسم الحج، حيث يلتقيان في الغاية، ويتكاملان في الأثر، ويتشابهان في الوظيفة التربوية والروحية.
يتميّز البناء التعبدي في الإسلام بوجود مواسم زمنية مخصوصة تتكثّف فيها معاني القرب إلى الله، ويشعر فيها المؤمن أن الزمن نفسه يتحول إلى مساحةٍ مضاعفة الأثر في التزكية والإصلاح. ويأتي في مقدمة هذه المواسم صيام شهر رمضان والحج في أشهره، حيث لا يقتصر الأمر على كونهما عبادتين عظيمتين، بل يمثلان زمنين تتجلّى فيهما ذروة الاستعداد الروحي، وتتكثف فيهما فرص المغفرة والارتقاء.
فشهر رمضان ليس مجرد شهر للصيام، بل موسم يعاد فيه تشكيل علاقة الإنسان بربه؛ إذ تتراجع فيه الشهوات، ويهدأ إيقاع الحياة، وتتجه القلوب نحو الذكر والقرآن والقيام. وكذلك الحج ليس رحلة مكانية فحسب، بل زمن عبادي يخرج فيه الإنسان من اعتياده اليومي إلى حالة تجرد وانقطاع، يشعر فيها بأنه أقرب إلى أصل العبودية وأبسط صورها.
وتتجلّى في هذين الموسمين ظاهرة العبادة المكثفة داخل الموسم نفسه؛ فليست أيامهما على درجة واحدة من الفضل، بل توجد لحظات ذروة يتضاعف فيها الأثر وتبلغ فيها المشاعر الروحية أقصى حضورها. ففي رمضان تمثل العشر الأواخر محطة الانقطاع الأعظم، حيث ينتقل المؤمن من ممارسة العبادة إلى التفرغ لها، ومن المشاركة الجزئية إلى العكوف القلبي الكامل. وفي الحج تأتي العشر الأوائل من ذي الحجة بوصفها أيامًا تتضاعف فيها الأعمال، ويستعد فيها القلب لمشهد الوقوف بعرفة وما يحمله من معانٍ جامعة.
ثم تتجلى داخل هذه الفترات المكثفة لحظات تمثل قمة التوجه إلى الله، وكأن الزمن يبلغ فيها ذروة روحيته. ففي رمضان تتربع ليالي القدر على هذا المقام، حيث يمتزج نزول الرحمة بكتابة الأقدار، ويشعر المؤمن أن الدعاء في هذه الليالي أقرب إلى الإجابة، وأن العمل فيها يمتد أثره إلى ما وراء الزمن المحدود. وفي موسم الحج يتجلى هذا المعنى في يوم عرفة، اليوم الذي يجتمع فيه الرجاء والانكسار، ويشعر فيه الإنسان بقرب الرحمة وسعة المغفرة على نحوٍ استثنائي.
ويمكن ملاحظة تشابه عميق بين ليالي القدر ويوم عرفة؛ فكلاهما زمن تتسع فيه أبواب الرجاء، ويبلغ فيه الدعاء ذروة حضوره، ويشعر فيه المؤمن بأن المسافة بينه وبين رحمة الله أقصر من أي وقت آخر. غير أن ليالي القدر تعبّر عن ذروة الخلوة والسرّ بين العبد وربه، بينما يعبّر يوم عرفة عن ذروة الاجتماع والوقوف الجماعي في مشهد واحد من التضرع والانكسار.
كما تكشف هذه المواسم عن بُعد تربوي دقيق، إذ يتدرّج الإنسان من عبادة ممتدة زمنًا إلى عبادة مركّزة، ثم إلى لحظة ذروة تُختصر فيها الرحلة كلها. فالصيام يمهّد القلب، والعشر الأواخر تعمّق الانقطاع، وليالي القدر تمنح لحظة التحول. وكذلك الحج يبدأ بالاستعداد، ثم تتكثف العبادة في أيامه، ثم يأتي يوم عرفة بوصفه لحظة التجلي الأعظم.
الصيام والحج عبادتان تتجاوزان ظاهر الأداء إلى عمق التزكية، فكلتاهما تقومان على تجريد الإنسان من المألوف وإعادته إلى فطرته الأولى. الصائم يترك الطعام والشراب والشهوة، والحاج يترك الزينة والرفاه ويلبس لباس التجرد. ولهذا فإن القلب في رمضان، بعد أن يذوق معنى الصفاء والانكسار، يتطلع تلقائيًا إلى تجربة الحج بوصفها امتدادًا لهذه الرحلة الروحية.
إن الصائم الذي يعيش معنى القرب في ليالي رمضان يشعر أن هذا القرب لا يكتمل إلا بزيارة البيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً، فيتحول الدعاء بالحج إلى تعبير عن شوق روحي أكثر منه طلبًا دنيويًا.
رمضان ليس فقط موسم مغفرة، بل هو موسم إعادة بناء الإرادة. ففيه يتعلم الإنسان الصبر، وضبط النفس، والانضباط، والقدرة على مجاهدة العادات. وهذه الصفات هي ذاتها التي يحتاجها الحاج في رحلته، من تحمل المشقة، والصبر على الزحام، وضبط السلوك، وتقديم الإيثار.
لذلك يظهر الحج في أدعية رمضان باعتباره الثمرة الطبيعية لنجاح الصائم في مدرسة الصبر. فإذا خرج الإنسان من رمضان بقلبٍ أقرب إلى الله ونفسٍ أكثر طاعة، أصبح أكثر استعدادًا لرحلة الحج، فكان الدعاء بالحج ترجمة عملية لهذه الاستعدادات.
تتكرر في الأدعية الرمضانية، ولا سيما في ليالي القدر، عبارات مثل: «فيما تقضي وتقدّر»، وهذا يكشف بعدًا آخر لحضور الحج، وهو ارتباطه بليلة كتابة الأقدار. فالمؤمن يدرك أن الحج توفيق قبل أن يكون قدرة مالية أو صحية، ولذلك يربط طلب الحج بلحظات تقدير المصائر، طالبًا أن يُكتب في سجل الحجاج المقبولين.
هذا الوعي القدري يجعل الدعاء بالحج في رمضان دعاءً بالاصطفاء، لا مجرد دعاء بالسفر، لأن الحج في وجدان المؤمن علامة عناية إلهية واختيار رباني.
رمضان يرقق القلب ويوقظ الحنين، ومع رقّة القلب يشتد الشوق إلى المشاهد المقدسة. فالمؤمن في أجواء القرآن والدعاء والقيام يستحضر الكعبة والمدينة والمواقف الشريفة، فيتحول الدعاء بالحج إلى استجابة وجدانية لحالة الشوق التي يخلقها رمضان.
وهذا يفسر كثرة ذكر المشاهد والمواقف في الأدعية، لأن القلب حين يصفو يتجه إلى منابع الصفاء، ولا يجد أقدس من بيت الله ومواطن الوحي.
الأدعية التي تطلب الحج لا تقتصر على طلب الزيارة، بل تربطه بالإصلاح العملي، وغض البصر، وحفظ الفرج، والاستقامة بعد العودة. وهذا يدل على أن الحج في الوعي الرمضاني ليس رحلة مكانية، بل مشروع تحوّل أخلاقي يستكمل ما بدأه رمضان من إصلاح النفس.
فالصائم الذي يسأل الحج إنما يسأل الاستمرار في طريق الطاعة، ويطلب بيئة روحية تعزز ما اكتسبه من صفاء.
إن حضور الحج في أدعية شهر رمضان يعكس وحدة المسار في العبادات الكبرى، حيث يبدأ المؤمن بالتطهير في رمضان، ويتطلع إلى الاكتمال في الحج. فالدعاء بالحج في هذا الشهر هو دعاء بالشوق، وبالاصطفاء، وبالاستمرار في طريق التزكية، وبأن يربط الله بين موسمين يجمعهما مقصد واحد هو العودة إلى الله بقلبٍ أنقى ونفسٍ أقرب.
ولهذا لم يكن الدعاء بالحج في رمضان تكرارًا لفظيًا، بل كان ترجمة لشوق القلب بعد صفائه، وتعبيرًا عن أمل المؤمن أن تمتد رحلة القرب من ليالي الصيام إلى مواقف الطواف والسعي، حتى يظل العمر كله مسارًا واحدًا من التوبة والقرب والرجاء
إن هذا البناء الزمني للعبادة يعلّم المؤمن أن القرب من الله ليس حالة ثابتة، بل حركة تتصاعد عبر مواسم، وأن الحكمة من هذه الذروات الروحية أن يتذوق الإنسان معنى الصفاء الكامل ولو لحظات، ليحمل أثرها معه في بقية العام. فليالي القدر تترك في القلب يقظة تستمر بعد رمضان، ويوم عرفة يزرع في النفس أثرًا يبقى بعد انتهاء الحج.
وهكذا تبدو مواسم رمضان وذي الحجة وكأنها محطات متكاملة في رحلة الإنسان إلى الله؛ زمن يمهّد، وفترة تكثّف، ولحظة تبلغ الذروة. ومن أدرك قيمة هذه اللحظات عاشها بوعيٍ أعمق، فلم تكن مجرد أيام تمر، بل أبوابًا تتكرر كل عام ليعود القلب من خلالها إلى مركزه الحقيقي.

















