عنادٌ قطع رحمًا
كنتُ أقرأ خطبة النبي الأكرم ﷺ، حتى توقّفت عند قوله الشريف: «وَوَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ».
كأن الكلمات لم تكن تُقرأ… بل كانت تُوقظ في داخلي ذكرى قصةٍ أليمة رواها لي أحد الأصدقاء.
هي قصة فتاةٍ كانت مدللة أبيها…آخر العنقود، زهرة البيت، المدللة التي تحيطها العناية من كل جانب.
نشأت في بيتٍ يفيض حنانًا، وأبٍ كان يراها قطعةً من قلبه، وأمٍ لا تعرف إلا العطاء.
ثم جاءت الأيام الثقيلة…في أشهرٍ قليلة فقدت أخاها، ثم لحق به والدها.
رحلا، وبقيت الأمّ وحدها، تستند إلى جدارٍ من الصبر وقلبٍ أنهكه الفقد.
حضرت الابنة أيام العزاء، بكت بحرقة، استقبلت المعزين، ثم… انطفأت فجأة.
انقطعت. لا زيارة. لا اتصال. لا حتى رسالة قصيرة تقول فيها: ”يمّه… كيفك اليوم؟“
الأم تسكن في نفس البلدة. المسافة بين البيتَيْن دقائق معدودة…لكن المسافة بين القلبين أصبحت شاسعة.
حين زارتنا الأم قبل أيام، كانت الدموع تسبق كلماتها.
قالت بصوتٍ مكسور: ”من يوم العزاء ما شفت بنتي… ولا حتى أسمع صوتها.“
تخيلوا أمًّا فقدت زوجها وابنها…ثم تُحرم من ابنتها وهي حيّة!
أما السبب… فكان عناد زوجها.
كان بينه وبين والدة زوجته موقفٌ تافه، كلمة عابرة، سوء فهم بسيط تضخّم حتى صار قطيعة.
رجلٌ أغلق قلبه قبل أن يغلق بابه. قرر أن يقاطع أمّ زوجته، ولم يكتفِ بذلك، بل جرّ زوجته إلى مقاطعته.
كان يقول ببرود: ”السبب الذي جعلني أزور بيتكم هو والداك… أما الآن وقد رحل، فلا زيارة.“
هكذا ببساطة…محا تاريخًا من العِشرة، وقطع رحمًا لأن خصومة صغيرة لم تُعجبه.
العناد حين يتلبّس الإنسان يجعله يرى كرامته في القطيعة، ويرى التنازل ضعفًا، ويرى الصلح هزيمة.
لكن أي كرامةٍ هذه التي تُبنى على دمعة أمّ؟
وأي انتصارٍ هذا الذي يُقيم جدارًا بين ابنةٍ وأمها الثكلى؟
كنت أقول في نفسي: هل يمكن لعناد رجلٍ أن يكون أقوى من رحمٍ حمل تسعة أشهر؟
أقوى من حضنٍ سهِر الليالي؟ أقوى من قلبٍ دعا لها في السَّحر؟
العقوق لا يبدأ بصرخة…يبدأ بصمتٍ تفرضه كلمة. بزيارة تُمنع. باتصالٍ يُؤجَّل. بعبارة: ”لا داعي… ليس الآن.“
لكن الغد لا يضمنه أحد.
قد يختلف الزوج، قد تتبدّل الظروف، قد ينتهي كل شيء…
لكن الأم واحدة.
وإن رحلت، فلن يمنحنا الزمن فرصة الاعتذار.
هذه ليست قصة إدانة لشخص، بل تحذير من عنادٍ أعمى، ومن قطيعةٍ تولد من موقفٍ تافه، فتكبر حتى تصير عقوقًا.
فلنراجع أنفسنا…قبل أن نقف يومًا عند قبرٍ بارد، ونقول بصوتٍ يملؤه الندم:
”ليتني زرت… ليتني كسرت ذلك العناد… ليتني قبّلت يدها.“

















