موجزٌ في تاريخِ الوطَن
الحاجةُ إلى القبيلة والحياةُ مع الجماعة تعتبرُ أمراً محوريًّا للبقاء في عصورٍ سابقة، إذ برزت أهميَّة القبيلة وضرورةُ وجودها منذ أيامِ الصيد والبحثِ عن الطعام، حيث لا يصطادُ الإنسان وحيداً ولا يسكن منفرداً، إنما في كهوفٍ محمية وبينَ غابات كثيفة، تمنعُ هجوم الحيواناتِ المفترسة، وتوفر ملاذاً آمنا يقيه وقبيلتَه وأبناءَه.
البقاءُ مع الجماعة أعطى الإنسانَ الأول شعوراً بالأمان، في ظل كثرةِ المخاطر واتساعِ دائرة المهدِّدين للحياة، فليست الحيواناتُ المفترسة لوحدِها من ينتظره، إذ هنالكَ أفراد القبائلِ الأخرى الذين يريدونَ نهبه والحصول على مكتسَباتِه؛ لهذا أضحَت القبيلة ذات أهميَّة بالغة في أزمنةِ الأزمات دِفاعاً وحِماية للمُكتسبات.
رُغم قلة الممتلكات في أزمنةِ الجوع والصيد، إلا أنها اُعتُبرت هامة في الحفاظِ على الحياة، حيث الرمحُ والقوسُ والسهام، وبعض الحبالِ البسيطة والملابسِ الجلدية، والثمار واللحوم المجفَّفة والمدخَّنة، هي كل ما اُعتُمد عليه للبقاء؛ ما دفعَ الإنسان للبحثِ عن مخابئ تحفظُ ممتلكاته وتحمِيها من السرقة، ومن هنا منشأُ التفكير في الانفرادِ عن الجماعة وتخصيصِ مساحة مُستقلَّة للذات.
اكتشافُ الزراعة وتدجينُ الحيوانات والاعتمادُ على الثمار بدلَ الصيد؛ غيَّر حياة الإنسان وجعله يتَّجه من اللجوءِ إلى الكهوف والغَابات، إلى بناءِ منازل تقيه الأمطارَ والرياح وهجومَ الحيوانات، ورُغم الشعور الفردي والاتجاهِ للزراعة والرعي، إلا أنَّه لم يفقد الحسَّ الجماعي بضرورةِ البقاء معَ القبيلة، التي انقسمَت إلى رُعاةٍ وصيَّادِين.
انقسامُ القبيلة وتوزُّع أفرادها بين الرعي والصيد، تعدُّ مرحلة فاصِلة في تطوُّر الإنسان وانتقاله من الترحُّل إلى الاستقرار، فالبحثُ الدائم عن الطعامِ والماء جعلاه يقطع مسافاتٍ هائلة؛ من أجل الوصولِ إليهما، وهو أمرٌ محفوف بالمخاطرِ الكثيرة، كهجومِ الحيوانات أو الأحوالِ المناخية السيئة أو الضَّياع والانحراف عن الطريق؛ ما أعطاه شعوراً دائماً بالخوف.
الحذرُ من المجهول والخوفُ من المستقبل طبيعةٌ إنسانية متأصِّلة، منذ عهدِ الصيد والبحثِ عن الطرائد، حيث انتقلت إلى الرُّعاة وجامعي الثِّمار والمزارعين، الذين استعدُّوا لمختلفِ الاحتمالات، فبدلاً من استهلاكِ الثمار واللحوم المجفَّفة والمدخَّنة، تم بناءُ أماكن مخصَّصة لحفظ الأطعمةِ والاستفادة منها في أوقاتِ الجوع، وتطورت لاحقاً إلى المتاجرة وتبادُل السِّلع.
العلاقاتُ التجارية والاجتماعيةُ نشأت بينَ القسمين على أساسِ تبادُل السَّلع والنساء، إذ ظل أفرادُ القبيلة يتعاونون فيما بينَهم، فيبادلون الثِّمار بفراء الحيوانات، واللحومَ المجفَّفة بالشِّباك وأدوات الصيد، كما استطاعُوا مواجهة الأزماتِ الطارئة باللجوءِ إلى المخزن والاستفادةِ مما تمَّ جمعه ومراكمتُه.
استمرَّت العلاقات ولم تنقطع بينَ أفرادِ القبيلة، ونتيجةً لذلك حصلَ شعور بالتضامُن؛ بسبب حاجةِ كل قسمٍ إلى الآخر، فنشأت أحلافٌ واتفاقيات نظَّمت العلاقاتِ وحدَّدت الأولويات، ومنها انطلقت القبيلةُ بشكلها القائمِ على الإغارةِ والتجارة.
اشتركَ الأفراد في خدمة أهدافِ القبيلة المتمثِّلة بالقوة والثراء، وهي قِيَم استمدتها من أزمنةِ الخوف والحذر، بسببِ المخاطر المحدِقة والجوع الدائمِ الذي ظلَّ يفتكُ بأفرادها؛ لهذا اتَّجهت لفرض قراراتها على أتباعِها والمنتمينَ إليها، وألزمتهم بالدفاعِ عن المصالحِ العليا التي حدَّدتها، فتكوَّن ولاءٌ للقبيلة وزعيمِها وأهدافِها.
ازديادُ الأعداد وكثرةُ القبائل وانتشارِها أتاحَ عقد اتفاقاتٍ وتحالفات، فنشأت محميَّات يُمنع الهجوم عليها وسلبُها، وبسبب الأمانِ النسبي انضمَّ إلى المحميِّات أفراد من قبائلَ مختلفة، ظلوا يحملُون أهدافها ويتَّبِعُون قوانينها وتنظِيماتها، وهو مؤشِّرٌ على انتقال الولاءِ من القبيلة إلى المحميَّة أو المدينة.
لا تتكوَّن الدول والمجتمعاتُ إلا من الولاءات، فالهُويَّة المشتركة والجامعة تحدِّدها الأهداف المتَّفق عليها، وهي أهدافٌ لا تسقط بالتقادُم ومرور الزمن، إذ تظلُّ حاضرة في الوجدانِ والأذهان، وتظهرُ في الكلماتِ والسلوكيات، كسلوكياتِ الشعراء وكلماتهم وقصائدِهم في الاحتفاءِ والتغني بالأرضِ والمكان والوطن، كما هو حالُ امرئ القيس وعنترةَ وابن الرومي، وشوقي والرُّصافي والجواهري، وياسِر الغريب وشفيق العبادي وحبيب المعاتِيق، وحيدر العبد الله ومستورة العُرابي ومحمد إبراهيم يعقوب، وعبد العزيز العَجلان وعبد الله الصَّيخان ومحمد الثُّبيتي وعلي الدُّميني وعدنان العَوامي، وثريا العريِّض وأشجان هِندي وأحلام القَحطاني.

















