غياب المهرجانات… هل انتهت الفكرة أم غاب التمويل؟
لم تكن المنطقة الشرقية يومًا فقيرة بالفعاليات ولا ضعيفة في قدرتها على صناعة الموسم. قبل سنوات قليلة فقط، عاشت المدن والقرى حراكًا ثقافيًا واجتماعيًا لافتًا؛ مهرجان الدوخلة كان يقدم نموذجًا متقدمًا للتنظيم الشعبي، و”وحتّنا فرحانة“ يعيد تشكيل هوية الفرح في القرى، و”بستان تاروت“ يعرض جمال الحرف والتراث، و”مهرجان القلعة“ يفتح باب التاريخ على مصراعيه، بينما ظل ”الطبق الخيري“ واحدة من أنجح التجارب الاجتماعية التي جمعت بين الترفيه والعمل الإنساني. هذه المهرجانات - ومعها العديد من الفعاليات الأخرى - لم تكن مجرد مناسبات عابرة، بل كانت صناعة قائمة بذاتها، تجذب الزوار وتخلق فرصًا اقتصادية، وتمنح المجتمع مساحة مشتركة للاحتفال والانتماء.
لكن فجأة خفّ الزخم، وتراجع عدد الفعاليات، وتحوّل المشهد من التزاحم على الأركان والساحات إلى تساؤلات في المجالس ووسائل التواصل: لماذا غابت المهرجانات بعد كل ذلك النجاح؟ ولماذا تحوّلت منطقة كانت تنبض بالمبادرات إلى سكون ملحوظ؟
الجواب الحقيقي يبدأ من التمويل. معظم الفعاليات في المنطقة لم تقم على موازنات مؤسسية ثابتة، بل على رعايات شخصية أو تجارية شكّلت قوة انطلاق، لكنها ليست قاعدة يمكن البناء عليها طويلًا. الرعاة عادة يدعمون لمرحلة: إعلان، حضور، مكسب معنوي، ثم تتغير الظروف وتتوقف القدرة على الاستمرار. كان من المفترض أن يُستثمر هذا الدعم المؤقت لبناء نموذج مالي قادر على الوقوف بذاته، لكن كثيرًا من الفعاليات ظلت مرتبطة بالرعاة أكثر من ارتباطها بآليات الاستدامة.
للأسف الشديد، الجهود المبذولة في السنوات الماضية كانت ضخمة ومدهشة، سواء من لجان التنظيم أو الشباب المتطوعين الذين حملوا على عاتقهم مسؤوليات تفوق ميزانيات المهرجانات نفسها. قوّة بعض الفعاليات لم تكن في المال، بل في التشبّع بروح العمل الجماعي، وهو ما جعل نجاحها يتجاوز ما يُصرف عليها بأضعاف. ومع ذلك، لم يُستفد من هذه الجهود لبناء مؤسسات دائمة أو منظومات قادرة على تحويل المهرجان من موسم سنوي إلى صناعة مستمرة. كان بإمكان كثير من تلك التجارب أن تتحول إلى مشاريع اقتصادية وثقافية قائمة بذاتها، لكنّها بقيت مبادرات فردية، مرتبطة بأشخاص أكثر من ارتباطها بهياكل تنظيمية مستقلة.
رؤية المملكة 2030 وضعت مبدأ الاعتماد الذاتي في صميم كل مشروع، بما في ذلك الفعاليات والمهرجانات. لم تعد الفكرة أن نقيم فعالية جميلة ثم نبحث لها عن راعٍ كل عام، بل أن نخلق صناعة ترفيهية وثقافية قائمة على الاستدامة، على التخطيط طويل المدى، على خلق مردود اقتصادي يجعل المهرجان قادرًا على تمويل نفسه دون الحاجة إلى أي طرف خارجي. ما نحتاجه اليوم ليس مجرد عودة الفعاليات، بل عودة برؤية جديدة؛ رؤية تصنع من الموسم مشروعًا اقتصاديًا، ومن المبادرة مؤسسة، ومن النجاح حدثًا يتكرر كل عام دون خوف من انقطاع التمويل.
قد تكون هذه السنة - كما يصفها البعض - ”استراحة محارب“، مساحة لإعادة الحسابات، فرصة للمراجعة وتقييم التجارب، تمهيدًا لعودة أقوى وأوسع. من المتوقع أن نشهد خلال الأعوام القادمة مهرجانات أكثر نضجًا، تعتمد على نماذج مالية واضحة، وعلى شراكات مستدامة، وعلى برامج مدروسة تضمن استمرارها حتى لو غاب الراعي أو تغيرت الظروف. فالأساس موجود، والطاقات البشرية متدفقة، والوعي المجتمعي بقيمة الفعاليات أصبح أكبر بكثير من السابق.
إن غياب بعض المهرجانات اليوم لا يعني أن الفكرة ماتت، بل يعني أننا وصلنا إلى لحظة تستوجب إعادة البناء بشكل مختلف. فالمجتمع الذي صنع الدوخلة و”وحتّنا فرحانة“ و”بستان تاروت“ لن يعجز عن صناعة مهرجانات جديدة أكثر قوة واحترافًا واستدامة. وما دام أبناء وبنات الوطن هم حجر الأساس في كل نجاح، فإن المستقبل يحمل فرصًا أكبر مما مضى، حين تتحول الفعالية من مبادرة إلى مؤسسة، ومن موسم إلى صناعة، ومن عمل تطوعي جميل إلى مشروع يستمر بقدر ما يُقدّم من قيمة حقيقية للمجتمع.

















