بين قاهر ومقهور… أين نقف نحن؟
ليست المشكلة أن نعيش القهر، فكل إنسان مرّ بلحظة شعر فيها بأن الدنيا ضاقت عليه، وأن من حوله لا يفهم ما يدور في صدره. لكن المشكلة الحقيقية أن ننسى أن القهر شعور متنقّل، ينتقل من شخص لآخر، وأن من يُقهَر اليوم قد يقهر غيره غدًا من حيث لا يشعر. وبين قاهر ومقهور، تضيع التفاصيل التي تصنع علاقتنا ببعض.
نحن نرى الظلم حين يقع علينا بوضوح مؤلم، لكننا لا نراه عندما يصدر منّا. نستغرب لماذا تغيّر شخص قريب، ولم نسأل أنفسنا: هل كانت كلمة عابرة سببًا؟ هل كان تجاهل بسيط بداية المسافة؟ هل كان انشغالي اعتذارًا غير معلن عن علاقة تحتاج اهتمامًا؟ نحن نغضب لأن أحدهم لم يفهمنا، لكننا نمرّ أمام حزن الآخرين وكأنه لا يعنينا. ننام بداخل بيوتنا مطمئنين، غير مدركين أن هناك من حمل جرحًا سبّبناه دون قصد.
القهر لا يبدأ من موقف كبير، بل من تفاصيل صغيرة تتكرر حتى تُثقل القلب. زوجة تبكي ليلًا لأنها لم تجد كلمة تقدير، وزوج ينسحب بصمت لأنه لم يجد من يشاركه الهم، وابن يبحث عن أذن تسمعه فلا يجد، وأخ يشعر أنه ”آخر القائمة“ في بيت واحد. وتتسع الفجوات بين الناس لأن أحدهم حاول أن يتكلم ولم يجد من يسمعه، أو تكلم مرة فلم يجد من يفهمه، فاختار الصمت بعدها إلى الأبد.
والمؤلم أن القهر لا يصيب العلاقات فقط… بل يصيب الجسد. فالمقهور يمرض أسرع، ويتعب أسرع، ويغضب أسرع. تتغير نبرة صوته، وطريقة جلوسه، وحتى نظرة عينيه. القهر حين يسكن الجسد يصبح عبئًا لا يراه الطبيب لكنه يعطّل حياة كاملة. يغيّر مزاج الإنسان، يربك نومه، يضعف مناعته، ويحوّل أيامه إلى صراع داخلي لا يعرف مصدره. ومع الوقت يصبح الشخص الذي نعرفه شخصًا آخر… شخصًا منهكًا، لكنه لا يقول سوى: ”أنا بخير“.
أما القاهر—وهو في الغالب لا يقصد الإيذاء—فهو أيضًا ضحية لعدم الوعي. يمارس القسوة وهو يظن أنها قوة، ويتجاهل وهو يظن أنه يتجنب المشكلة، ويرفع صوته وهو يظن أنه يُثبت موقفه. لا يدرك أنه يخسر رصيدًا من المحبة والاحترام قد لا يُعوض. فكلمة تُقال بلا انتباه قد تكسر ما لم تكسره السنوات.
ولكي نصحّح هذا المسار، علينا أن نتوقف قليلًا ونراجع مواقعنا. هل نحن ممن يشتكون القهر؟ أم ممن يصنعونه دون شعور؟ هل نُعذر الناس بحكم ظروفهم، أم نُحمّلهم فوق طاقتهم؟ هل نُصغي بقلوبنا أم نسمع بآذان منشغلة؟ وهل نطلب الاحترام ممن حولنا ونحن لا نقدمه لهم؟ كل علاقة تحتاج لحظات صدق تعيدها إلى مكانها الصحيح، ولا شيء أعظم من كلمة: ”سامحني… لم أقصد أن أؤذيك“.
الوعي وحده قادر على أن يعيد التوازن. فالإنسان حين يدرك أثره على من حوله، يلين طبعه، وتخف حدته، ويصبح مسؤوليًا في كلماته وردود أفعاله. وحين نفهم أننا نعيش في سلسلة من العلاقات المتشابكة، وأن أي شرخ صغير قد يمتد لقلوب كثيرة، ندرك أن اللطف ليس خيارًا… بل ضرورة.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل واحد منا: في هذا العالم المزدحم بالضغوط والتوقعات، هل نحن نخفف عن بعض… أم نزيد الحمل؟ هل نكون سندًا… أم سببًا في سقوط أحدهم؟ بين قاهر ومقهور، ليست المشكلة أن نكون في أحد الطرفين، بل أن نبقى فيه دون وعي.

















