آخر تحديث: 22 / 2 / 2026م - 1:32 ص

قتلى القرآن.. عندما تضطرب القلوب

عبد الغفور الدبيسي

«سمعت الأستاذ أبا القاسم الحسن بن محمد بن الحسن ابن حبيب يقول قال حبيب العجمي: دخلت مسجدًا بالكوفة لأصلي فيه، وإذا شاب نحيف قد نهكته العبادة، فقلت: ما تشتهي؟ رجاء أن يشتهي عليَّ شيئًا. فقال: أشتهي أن أسمع سبع آيات من قراءة ”صالح المرّي“، فقد سمعت مرة صوته. قال حبيب: فأتيت البصرة وطلبت صالحًا وأخبرته بالقصة. فخرج إلى الكوفة ودخل المسجد واندفع في القراءة، فقرأ: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ ي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون: 101] إلى قوله: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108]. قال: فاضطرب الفتى وجعل لا يتمالك حتى سقط وتوفي….»

هذه إحدى روايات أبي إسحاق الثعلبي النيسابوري الشافعي «ت 427 هـ» في كتابه الموسوم «قتلى القرآن»، يروي فيه قصصًا من هذا القبيل لأشخاص سمعوا القرآن ففاضت أرواحهم. بعضهم من الشخصيات المعروفة، وبعضهم من عوام الناس مثل هذا الشاب. ولا شك عندي أن هذه الروايات لا تخلو من قدر كبير من المبالغة، ربما للتشويق أو للموعظة، لكن فيها أيضًا قدرًا عميقًا من الحقيقة؛ حقيقةً يصعب علينا فهمها؛ تعكس نفوسًا تحمل شحنة قوية من العاطفة قد تعلقت بالقرآن وآياته أيّما تعلق، وعاشت الآيات كلمة كلمة واستحضرت معانيها. وربما كانت قصة همّام أقرب شيء يتداول في ثقافتنا الشيعية لمثل هذا الموت. وكما ورد في النهج: «رُوِيَ أَنَّ صَاحِبًا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ كَانَ رَجُلًا عَابِدًا، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لِيَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَتَثَاقَلَ عَنْ جَوَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا هَمَّامُ اتَّقِ اللَّهَ وَأَحْسِنْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، فَلَمْ يَقْنَعْ هَمَّامٌ بِهَذَا الْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ…» والخاتمة المعروفة التي تقول: «فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا» بعد أن وصف الإمام له المتقين كما طلب.

لا أعلم كيف يموت هؤلاء، أي ماذا يحدث في أجسادهم عند سماعهم الآيات أو المواعظ، ولكن لندع ذلك لأهل الطب ليخبرونا. لكن دعنا نتحدث عن سبب هذا التعلق الكبير والشفافية العالية لدى هؤلاء، ولماذا كانوا كثيرين فقلّوا أو ربما اندثروا اليوم. أعتقد أن السر في وصولهم إلى هذه الحالة مرحلة من الصفاء الروحي يعيشها هؤلاء، تجعلهم يعيشون الوصف الذي يأتي في الآية كأنه حقيقة ماثلة أمامهم، وكما قال همّام: «كأني أنظر إليهم». هذه القدرة التخيلية، مع اليقين بصدقها، تجعلهم يدخلون في هذه الحالات النفسية التي تقتلهم أحيانًا. يساعدهم على الوصول إلى هذه الحالة أمران في نظري، ربما يعز الحصول عليهما اليوم. بالطبع هو يروي هذه القصص عن شيوخه إلى عدة أجيال سابقة على زمنه، وكثير منها يعود للقرن الثاني للهجرة على تتبعي السريع، ولا شك أن الزخم الروحي الذي تدفق مع الوحي استمر في الأمة الإسلامية دهرًا يتناقص شيئًا فشيئًا.

ولقد رويت في زمن التنزيل روايات كثيرة عن تفاعل المسلمين مع آيات القرآن، فيها كثير من التأثر والبكاء؛ «لم أسمع أن أيٌّ منها وصل إلى حالة الموت». من ذلك ما حكاه القرآن فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [المائدة: 83]. حتى السجود الذي يذكره القرآن يشي بانفعال غالب، وليس استجابة طوعية لأمر بالسجود كما نفعل اليوم؛ فالقرآن يعبر بقوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا ، كأنما سقطوا دون إرادة، وفي آية أوضح: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء: 109]. وفي آية أخرى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم: 58]. هذه العاطفة الطاغية أمر طبيعي في بداية عقيدة جديدة قلبت كثيرًا من المفاهيم رأسًا على عقب، وغيرت السلم الاجتماعي تغييرًا كبيرًا. إذن عامل الزمن والقرب من بداية الدعوة عامل مهم في ظهور هذه الحالات «قتلى القرآن».

العامل الثاني ربما يكون بساطة العيش يومئذ، وبعده عن الماديات؛ إذ كانت النفوس أكثر بساطة وصدقًا. انطمر الإنسان اليوم تحت أكوام من الماديات جعلته أبعد من أن تشف روحه عن مثل هذه المعاني أو أن يجتليها بقلبه كما فعل أولئك. لا زلت أتذكر تعليقًا ذكره أحد الغربيين على بعض العمليات الاستشهادية التي حدثت في فلسطين قبل سنوات عندما قال: «أوَ ما زال هناك من هو مستعد أن يضحي بنفسه في سبيل فكرة أو مبدأ؟!». في مخيلة الغربي المادي في القرن الواحد والعشرين لا يمكن تصور هذا، فكيف له أن يتصور تفاعلًا قاتلًا مع آيات تتلى؟ لقد أوغل الإنسان في الماديات على حساب صفاء روحه، وهو ما نسمع عن آثاره كثيرًا هذه الأيام، والأمراض التي صاحبت ذلك؛ إذ عاد إنسان اليوم يبحث عن خلاصه في فلسفات روحية شرقية أو تمارين روحية مختلفة، لكن الأوزار ثقيلة والحجب غليظة.

أما عن سؤال: لماذا لا يقتل القرآن أحدًا اليوم؟ فمن الصعب التخلص اليوم من هذه الماديات التي تحيط بنا وتشغل أذهاننا ليل نهار وتمسك بتلابيبنا وتعمي قلوبنا، لكن يمكن التخفف منها والانسحاب من بعض جوانبها، خاصة في شهر رمضان. دائمًا ما اقترنت العبادة، في جميع الأديان، بالبساطة والزهد والهروب من الجوانب المادية، بل والخلوة والبعد عن ضوضاء الحياة حتى تصفو النفس وترى ما لا ترى. الاعتكاف في رمضان هو ضرب من هذا «الانسحاب التكتيكي» لإعادة الشحن وضبط البوصلة وتجلية النفس. وهذا تحدٍّ كبير لإنسان اليوم.

يقول الشاعر والفيلسوف الهندي إقبال اللاهوري: «كان أبي يدلف عند بابي كل يوم بعد الفجر وأنا أقرأ القرآن فيردد: يا بني، اقرأ القرآن كأنه أنزل عليك». هذه إحدى النصائح الثمينة في محاولة إيقاظ المشاعر واستحضار معنى الآيات، ليلامس بها القلب، ويغوص في معانيها ويتأمل مآلاتها ويتفيأ ظلالها حتى يغدو جزءًا من المشهد ذاته، مخاطَبًا به «شاهد عيان»، كما يحصل لأحدنا في أحلام النوم، فنصحو فزعين باكين أو فرحين مستبشرين.. كم يصبح الإنسان في هذه الأحلام شفافًا سريع الدمعة، سريع الفرحة. ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [البقرة: 141]