آخر تحديث: 20 / 2 / 2026م - 1:21 ص

إرشاد أسري يختزل البيوت في فراش..

عبد الله صالح الخزعل

في الفترة الأخيرة، ظهر على منصّات التواصل الاجتماعي جيل جديد ممّن يقدّمون أنفسهم بوصفهم مرشدين أسريين أو اجتماعيين. ورغم أن الإرشاد الأسري علم قائم على أسس نفسية وتربوية وروحية عميقة، إلا أن كثيرًا من هؤلاء «المرشدين» اختزلوا العلاقة الزوجية في بعدها الجسدي، وكأنّ البيت لا يقوم إلا على فراش، ولا ينهار إلا بسببه.

هذا الخطاب المبتور لا يقدّم حلولًا، بل يروّج لوهمٍ مبسّط يختزل الإنسان في غريزته، ويُغفل أن الزواج رابطة مقدّسة تقوم على السكينة والمودّة والرحمة، لا على الجسد وحده.

فالقرآن الكريم حين تحدّث عن الزواج لم يذكر الجسد، بل قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً [سورة الروم: 21].

وهذه الآية وحدها كافية لتفنيد كل خطاب يختزل الزواج في بعد واحد.

أغلب ما يُقدَّم اليوم على المنصّات ليس إرشادًا، بل محتوًى ترفيهيًّا يهدف إلى جذب المشاهدات، فتجد من يتحدّث عن «أسرار الجذب الجسدي»، و«تقنيات الإغراء»، و«وصفات السعادة الزوجية في خمس دقائق»، وكأن العلاقة الزوجية مشروع تجاري سريع، لا رحلة إنسانية تحتاج إلى بناء طويل وصبر ومعرفة.

إن التركيز المفرط على الجانب الجسدي لا يعالج الخيانة، ولا يمنع الطلاق، ولا يخلق الاستقرار.

فالخيانة ليست فعل جسد، بل فعل روح فارغة، والطلاق ليس انهيار رغبة، بل انهيار قيم.

البيت لا يُبنى على الجسد، بل على الوعي الديني الذي يذكّر الزوجين بأن الزواج ميثاق غليظ، لا علاقة عابرة، وأيضًا الوعي الإنساني الذي يجعل كل طرف يرى الآخر إنسانًا كاملًا، لا أداةً لإشباع حاجة، وكذلك الوعي الروحي الذي يزرع السكينة، ويُهذّب النفس، ويُعلّم الصبر والحوار. ولا ننسى الوعي الثقافي الذي يرفع مستوى الفهم، ويمنح القدرة على إدارة الخلافات.

العلاقة الجسدية جزء مهم من الزواج، لكنها ليست الأصل، ولا يمكن أن تكون العلاج الوحيد.

فالبيت الذي يخلو من الاحترام والحوار والرحمة والصدق والمسؤولية والإيمان، لن ينقذه جسد مهما كان متألقًا.

إن ما يحتاجه الأزواج اليوم ليس «تقنيات جذب»، بل تقنيات وعي، وليس «وصفات جسدية»، بل وصفات روحية، وليس «مرشدين مشاهير»، بل مرشدين حقيقيين يفهمون الإنسان قبل أن يفهموا المحتوى.

إن اختزال الزواج في بعده الجسدي هو اختزال للإنسان نفسه، وإن إعادة الاعتبار للروح والقيم والمعرفة، هو الطريق الحقيقي لبناء بيوت ثابتة لا تهزّها العواصف.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 19 / 2 / 2026م - 6:43 م
الأستاذ العزيز عبدالله الخزعل
أبارك لك الشهر الكريم وأبارك لنا عودة هذا القلم الرشيق إلى فضاء الكتابة وخدمة المجتمع، كما أبارك لمنصة جهات انضمام أحد أبرز الكتّاب في الشأن الاجتماعي والأسري.

وعطفًا على ما تفضلت به، أصبحت مهنة الإرشاد الأسري للأسف مهنة من لا مهنة له، وزاد الأمر سوءًا اختزالها في بعدها الجسدي وكأن الزواج لا يُفهم إلا من زاوية واحدة. وهذا من نتائج وسائل التواصل التي صنعت «خبراء» اللحظة وقدمتهم بوصفهم مراجع وهم في الحقيقة جزء من أزمة الوعي.

لقد أصبت حين أشرت إلى أن الخطاب السائد يختزل الإنسان في غريزته ويتجاهل أن الزواج بناء قيمي وروحي قبل أن يكون علاقة جسدية. فالميثاق الغليظ لا يقوم على وصفات سريعة بل على وعي ناضج وحوار ومسؤولية وإدراك أن العلاقة رحلة تُبنى بالصبر والمعرفة.
إن إعادة الاعتبار للبعد الإنساني والديني والثقافي ضرورة لحماية الأسرة من التشويه والانهيار، وطرحكم يعيد ترتيب الأولويات ويؤكد أن الجسد جزء من العلاقة لا أساسها ولا علاجها.
شكرًا لكم على هذا الطرح الذي يعيد النقاش إلى مساره الصحيح.