القيمة الحقيقية للإنسان
معايير التفاضل والتمايز بين الناس تختلف بحسب وجهات النظر والاتجاهات الفكرية، ولعل من أشهر تلك الأفكار هي وجهة النظر المادية فتقاس قيمة الإنسان بحسب ما يملكه من أموال أو جاه ومنصب، فيأتي الشهر الكريم ليعيد للعقل خرائط ذهنية تتوافق مع واقع الدنيا المؤقتة وعلاقتها بالمستقر الأخروي والمحاسبة والمجازاة، فتلك المظاهر المادية أو الاجتماعية لا تعكس واقعا عندما يقف المرء بين يدي العدالة الإلهية، فكل تلك المجهودات الدنيوية التي يراكمها المرء لا تعكس واقعا ولا تنبئ عن حقيقية ومكانة الإنسان، بل القيمة الحقيقية بما تتشكّل في أعماق النفس من تصورات وقناعات وتُترجم في صدق النيّة وصلاح العمل، يقول الله تعالى: ﴿.. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ..﴾ [الحجرات الآية 13].
هذه الآية تمثّل قاعدة تأسيسية في إعادة تعريف الكرامة الإنسانية والمعيار الحقيقي والواقعي الذي يمكن البناء عليه في تقييم الذات، فالتقوى ليست مظهرا يُرى بل هي حالة روحية من الوعي الدائم بحضور الله تعالى، تُثمر التزاما داخليا وانضباطا أخلاقيا وسلوكا مستقيما، فتلك النفس تسكنها نورانية الخوف من الله تعالى ورقابة الجوارح قبل الانطلاق في أي حديث أو الإقدام على أي تصرف، كما في مسألة الصوم وعلاقتها بإخلاص النية لله عز وجل، ففي الأوقات التي يتوارى فيها عن عيون الناس يبقى ممسكا عن المفطرات؛ لأنه يرى امتثال الأوامر الإلهية بغض النظر عن كونه بين أعين الناس أو بعيدا عنهم، وهذا الضمير الواعي هو الهدف الأسمى المراد تحقيقه وتحصيله من صوم شهر رمضان، فهذا يرسّخ في النفس معنى الإخلاص ويُعيد تشكيل الهوية على أساس العلاقة بالله تعالى ورضاه لا على أساس نظرة الناس ومديحهم وتكوين مكانة اجتماعية على ظهر عبادته «الرياء».
الفوارق الطبقية واقع لا بد من التعامل معه بواقعية بعيدا عن المثالية الزائدة، ولكن التعامل بتعالٍ وتكبر من أصحاب الوجاهات وتقزيم الآخرين والنظر لهم بدونية هو الآفة الأخلاقية التي يعالجها الدين الحنيف، وفي شهر رمضان تُمدّ بصيرة الصائم بومضة نورانية من خلال استشعاره ألم الجوع والعطش وإن كان من الأغنياء، فصاحب النفوذ يشعر بحاجته وضعفه بشكل عملي بما يعيده إلى حقيقة ضعف الإنسان وافتقاره للتدبير الإلهي، وهكذا يتحقق نوع من المساواة الوجودية التي تُذكّر الإنسان بحقيقته، فهو عبد محتاج ومفتقر مهما بلغت مكانته في أعين البشر.
قيمة الإنسان عند الله تعالى تُقاس ببصيرته ومدى وعيه لحقيقة الدنيا وزوالها، فينطلق في تفكيره وسلوكه من هذه الحقيقة فينشط في ميدان الطاعة متخلّصا من حب المظاهر الدنيوية وحطامها الزائل، فكم من إنسان يخادع نفسه فيكتفي من الدين بالقشريات والطقوس العبادية بينما يتغلغل حب الدنيا والأموال في نفسه، كما تقاس قيمته بسلامة قلبه واستقامته ونزاهته من المشاعر السلبية تجاه الآخرين، فمن يطلب العفو الإلهي يسلك أقصر الطرق إليه وهو التسامح والتخلي من الحسد والتكبّر، وتختم عوامل تقييم الإنسان بما يقدمه من أعمال صالحة في مختلف ميادين الحياة المعرفية والروحية والأخلاقية والاجتماعية؛ لأن النية الصادقة لا تكتمل إلا بالفعل الذي يترجمها في الواقع وهذا ما تحكمه إرادة الإنسان وهمته العالية.
















