آخر تحديث: 20 / 2 / 2026م - 1:21 ص

جدار الحماية الإنساني (1)

في عالم التكنولوجيا، يُعرَّف جدار الحماية (Firewall) بأنه نظامٌ أمنيّ - قد يكون برنامجًا أو جهازًا - يقف كحارسٍ ذكيّ بين الشبكة والعالم الخارجي. ووظيفته ليست المنع الأعمى، بل المراقبة والتمييز واتخاذ القرار، لحماية المنظومة من الاختراقات والبرمجيات الخبيثة ومحاولات التجسس والتلاعب بالبيانات.

وحين نتأمّل هذا المفهوم، ندرك أنه لا يخصّ الأجهزة الرقمية وحدها؛ فكل منظومةٍ معقّدة —مهما كان نوعها— بحاجةٍ إلى جدار حماية. والإنسان، بما يواجهه من ضغوطٍ ومؤثّراتٍ ومعلوماتٍ متدفّقة، ليس بعيدًا عن هذا التشبيه.

بيوغرافيا التكوين الإنساني

خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وجعل تكوينه قائمًا على ثلاثة أبعاد: البعد البيولوجي، والبعد الوجداني، والبعد الروحي. وقد أمضى الإنسان قرونًا طويلة في دراسة بعده البيولوجي، وما يزال كثيرٌ منه مجهولًا رغم التقدّم الهائل في العلوم.

أمّا البعدان الوجداني والروحي فهما أعمق من أن يُدركا بالكامل؛ إذ لا يُهتدى إلى حقيقتهما إلا بالرجوع إلى الوحي الإلهي، ثم بالسير في طريق الوعي لفهم أثرهما في حياة الإنسان.

وبما أنّ العلم بالروح قد استأثر الله تعالى به، يبقى أمامنا البعد الوجداني بوصفه المجال الأقرب للفهم والعمل؛ مجالًا يمكن أن نتلمّس ملامحه، ونبني وعيًا حقيقيًا لاستثماره، ليكون ركيزةً في بناء حياةٍ متوازنة وفاعلة في واقعنا المعاصر.

وقد جعل الله تعالى البعد الوجداني قائمًا على ثلاث ركائز: العقل، والنفس، والقلب الوجداني. فالعقل هو ذلك النور الإلهي المودَع في الكيان الإنساني، وظيفته تمييز الصواب من الخطأ، وتبيان الطريق حين تلتبس المسارات. وأما النفس فهي الصورة الحقيقية للإنسان، ومركز رغباته وميوله وغرائزه، وما تنطوي عليه من نوازع قوةٍ وضعف. وأما القلب الوجداني فهو إمام النفس، وقائد القرار، الذي إليه ترجع الكفّة في النهاية، فهو إما أن يستجيب لنور العقل أو ينحرف مع رغبات النفس.

جدار الحماية الإنساني.. تحت المجهر

يعيش الإنسان ضمن نسيجه الاجتماعي؛ يؤثّر فيه ويتأثّر به، ولا يستطيع أن يفصل ذاته عن محيطه، فقد خلقه الله تعالى اجتماعيًّا بطبعه، وأصبح ارتباطه بمحيطه أمرًا حتميًا.

وضمن هذا الارتباط، يجد الإنسان نفسه في مواجهة سيلٍ من الأفكار والتوجّهات والإغراءات؛ بعضها يرتقي بذاته، وبعضها قد يجرّه إلى هاوية الهلاك.

عند هذه النقطة، لا يجد الإنسان مفرًّا من أن يُحصّن نفسه بجدار حمايةٍ متين، يقي وجدانه مما قد يتسلّل إليه من مؤثّراتٍ تُضعفه أو تُربكه.

ومن هنا نضع جدار الحماية الإنساني تحت المجهر، لنكشف عمقه ودوره في حماية الإنسان من الانحدار.

وقد تناولتُ هذه الفكرة بتفصيلٍ سابق في كتابي كيمياء الذات، تحت عنوان التناغم الوجداني. غير أنني أطرحها هنا من زاويةٍ مختلفة، بعد أن تبيّن لي أن تحقيق التناغم الوجداني يمثّل في جوهره درعًا واقيًا للإنسان، وجدار حمايةٍ يحول بينه وبين ما قد يتسلّل إلى ذاته من مؤثّراتٍ مُضعِفة.

وكما يسعى الإنسان إلى حماية جسده من الأخطار التي تؤذيه، فإن جانبه الوجداني لا يقلّ أهمية، إن لم يكن أشدّ حساسية وتأثّرًا.

وفي المقال القادم أطرح خلاصة ما جاء في ذلك الباب، بعد إعادة صياغته ضمن هذا الإطار.