رمضان بلا إيجار
عاد إلى منزله ذلك المساء وملامح التعب ترتسم على وجهه كما لو أن النهار كله استقر فوق كتفيه.
كان يمشي بخطوات ثقيلة، يجرّ أقدامه جراً، ويداه ترتجفان ارتجافة خفيفة لا يلحظها إلا من يعرفه جيدًا.
فتح الباب بصمت… كأنما يخشى أن يوقظ همًّا نائمًا.
استقبلته زوجته بقلقٍ صادقٍ يسبق كلماتها:
- لماذا تأخرت؟ سلامات… ما بك؟ أراك متعبًا على غير عادتك.
تنهد بعمق… تنهدة خرجت من صدرٍ مثقل، لا من رئتين فقط.
جلس على طرف الأريكة، مرر يده على جبينه وكأنه يمسح بقايا صدمة لم تهدأ بعد، ثم قال بصوتٍ خافت:
- لقد وقع لي حادث سيارة… أخذتني غفوة صغيرة، فاصطدمت بالسيارة التي أمامي.
شهقت زوجته، وضعت يدها على صدرها وقالت بارتجاف:
- الحمد لله على السلامة… أهم شيء أنك بخير.
هز رأسه ببطء وقال:
- المشكلة أن تأمين سيارتي انتهى الشهر الماضي ولم أجدده… وهذا عقد المشكلة عليّ. عليّ أن أصلح سيارته وسيارتي معًا.
صمت لحظة، وكأن الكلمات تثقل عليه، ثم أضاف بنبرة يائسة:
- المصائب تأتي دفعة واحدة…
لم يكمل عبارته حتى دخل ابنهما مسرعًا، يحمل ظرفًا أبيض في يده:
- أبي، جاء صاحب المنزل وأعطاني هذا الظرف.
نظر الزوج إلى زوجته نظرة يعرفان معناها، وقال بمرارة خفيفة:
- ألم أقل لكِ إن المصائب تأتي دفعة واحدة؟
كنت قد ادخرت مبلغًا لسداد الإيجار… والآن حادث السيارة… وهذا المبلغ لن يكفي إلا لإصلاح سيارة الطرف الثاني.
قالت زوجته محاولة أن تكون صخرة الأمان في بحر القلق:
- لا تقلق يا عزيزي… سيكون هناك حل.
ابتسم بسخرية موجوعة وقال:
- حل؟… وأين هو؟
تدخل الابن ببراءة لا تعرف تعقيدات الحياة:
- قل لصاحب المنزل أن يؤخر سداد الإيجار هذا الشهر.
نظر إليه والده بعينين فيهما حنان ومرارة:
- سبق أن أجلتُ قسطين مسبقًا… الآن تراكمت الأقساط… متى سأدفعها؟
نهض ببطء، كمن يحمل العالم على كتفيه، ودخل غرفته.
أغلق الباب خلفه، وجلس على حافة السرير، يحدق في الفراغ.
تدافعت الأسئلة في رأسه:
كيف سأصلح السيارة؟
كيف سأدفع الإيجار؟
كيف أحمي بيتي من أن تهزه الرياح؟
في الخارج، بقيت الزوجة جالسة.
ضمّت يديها إلى صدرها، وأخذت تفكر:
هل أتحدث مع أختي لتساعدني؟
هل أطلب من أخي؟
هكذا حالنا… من ضيق إلى ضيق…
يا رب سهّل علينا… ونحن في شهرك الكريم.
ساد صمت ثقيل…
صمتٌ لا يقطعه إلا نبض القلق.
لحظات…
ثم فُتح باب الغرفة.
خرج الزوج، وفي عينيه شيءٌ لم يكن فيهما قبل قليل.
دمعة سقطت على خده… لكنها لم تكن دمعة انكسار.
كان يحمل الظرف.
قال بصوتٍ متحشرج، تختلط فيه الدهشة بالشكر:
- جزاه الله خيرًا صاحب البيت…
لم يطالبني بالإيجار… بل أعطاني هذا المبلغ هديةً منه لمساعدتنا في هذا الشهر.
تجمّدت الزوجة لحظة…
ثم وقفت، ودمعة دافئة انحدرت على خدها، وقالت بخشوعٍ عميق:
﴿ادعوني أستجب لكم﴾
ثم همست:
- شكرًا لك يا رب…
في تلك اللحظة، أدركوا أن الضيق ليس نهاية الطريق،
وأن وراء كل بابٍ يُغلق… نافذةَ رحمةٍ تُفتح،
وأن العطاء قد يأتي من حيث لا نحتسب،
لكنّه دائمًا… يأتي في الوقت الذي نظنه آخر الوقت.
فما بين الغفوة التي سببت الحادث،
والدمعة التي بشّرت بالفرج،
كان هناك درسٌ لا يُنسى:
أن من وثق بالله…
لم يخذله الله.
















