آخر تحديث: 20 / 2 / 2026م - 1:21 ص

كذبة الحي الراقي

سراج علي أبو السعود *

كنتُ في بحثٍ مُضنٍ عن شقة، فلم أجد في المنطقة التي استهدفتها إلا أسعارًا فلكية. وبحسب رأي صديقي الصدوق، فإن سبب ذلك هو أن الحي: راقٍ، وكأن هذه الكلمة وحدها كفيلة بأن تجعل ستين وسبعين ومئة ألف لشقةٍ أصغر من غرفة ضب أرقامًا معقولة. أما مبررات هذا ”الرقي“، فلا تختلف كثيرًا عن التبريرات التي تصف الفظائع بأنها ”دفاع عن النفس“؛ تُباع هنا أوهامٌ كثيرة تحت شعار ”الحي الراقي“. لا بحيرة، ولا نهر، ولا حديقة تسرّ الناظرين، ولا قصر، ولا حتى بيت أثري يحكي قيمة تاريخية للأسلاف. ومع ذلك يقف صاحبي واثق الخطوة يتلو مزايا الحي، ويده على شماغه يثبّته من الريح المحمّلة بالغبار والحصى، وكل ما يكفي لتغذية الحساسية وأمراض الجهاز التنفسي.

لا أعلم لماذا، كلما رأيتُ مسوّقًا عقاريًا يتحدث عن «المصداقية»، تذكّرتُ ”كيم جونغ أون“ وهو يُلقي خطبة عن الحرية.

العلاقة بين الكلام والواقع في الحالتين تمرّ غالبًا عبر كوكب آخر. معجمهم محفوظ: تشطيب ونظام قصور، فرصة للجاد، فرصة العمر. وأنت تعلم، قارئي العزيز، أن ”الجاد“ هو الجاد في الدفع دون تفكير، وأن ”فرصة العمر“ غالبًا درسٌ مكلف ستدركه تمام الإدراك عند اقترابك من الموت، وأما «تشطيب ونظام القصور» فمصطلح لا يدرك كنه معناه إلا الراسخون في العقار. ثم تأتي الصور، زوايا تجعل الممرّ الضيق صالة ملكية، والبقعة الرطبة ”لمسة طبيعية“، والجدار المتشقق ”طرازًا كلاسيكيًا“. حتى إذا زرت الموقع، اكتشفت أن الكاميرا تملك خيالًا أوسع من الواقع. أما ”الحي الراقي“ فهي النكتة الكبرى؛ حيٌّ تمشي فيه كأنك مشروع تجربة ميدانية للغبار، ودعاية لعضلات السيارة وقدرتها على تحمل المسير في الطرق المليئة بالهضاب والسهول.

الإخوة في المجال العقاري لا يُنكر لهم ذكاء التسويق، لكن الذكاء شيء والمبالغة شيء آخر. حين تُستهلَك كلمات مثل ”الحي الراقي“ و”تشطيب ونظام القصور“ حتى تفقد معناها، تصبح شعارات فارغة هي أقرب إلى النكتة. هكذا، حينما نريد أن نضحك قليلًا، نشاهد عبد الحسين عبد الرضا وهو يشرح لأخيه سعد معنى التجارة والقومسيون وكيفية التحدث مع لجنة التثمين، كما نشاهد كذلك بعض المسوقين العقاريين وهم يحدثوننا عن نظام القصور والجادين في الشراء والحي الراقي الذي ليس سوى شوارع متوازية ليس فيها حتى ملعب ترابي واحد يمنح ركبتك الرباط الصليبي بعد أول مباراة.