كيف نستقبل الشهر الكريم؟
خير الشهور قد حلّ علينا، وفي أعماق النفس يتأصل له حب عظيم، وفي زوايا القلب يحتل مكانة مميزة. ننتظره كل عام بلهفة العاشقين، ونستقبله بدموع التوبة وخشوع الصلوات. إنه ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ، كما وصفه الله عز وجل، والتأمل في هذا الوصف يوقظ فينا إدراكًا سريعًا بأن أيام هذا الشهر المبارك تنقضي على عجل. يدفعنا ذلك للعمل بشغف على طاعة الله والتقرب إليه، محاولين بكل جد ألا نضيّع هذا الكنز الثمين وسط انشغالاتنا ولهونا.
لقد أضحت أرواحنا كأرض جافة في صحراء الحياة، يستنزفها مشاغل الدنيا حتى أثقلتنا همومها وغرقنا في غياهب غفلتها. باتت خطواتنا بطيئة، والجفاف الروحي يرسخ جذوره في أعماقنا. ومع ذلك، مع قدوم مواسم الطاعة والخير، نجد بلسما يلطف ظلمات الغفلة وينعش أرواحنا من جديد، سنستعيد عزيمتنا ونتجاوز حالة الفتور لنعود إلى مسالك النور بثقة وتجدد.
تخبرنا تجاربنا معه بأننا ما أن نصدح في استقباله بالفرحة وأهلا رمضان، حتى نصل بسرعة إلى الصياح كأننا نتوسل بأن ”لسه بدري يا شهر الصيام“.
فبمجرد أن يصل الشهر الكريم حتى يهرول، يركض، لا يلتفت لمن يغفل عن شذى عطره وتجليات روحانيته.
هو كزهرة موسمية تنبت وسط الأشواك، إطلالتها تبهج الروح وتسعد النظرات. لكنها زهرة قصيرة العمر ترحل سريعًا، تاركة لهفة العين إلى اللقاء بها من جديد في موسمها الذي يتكرر من عامٍ إلى عام.
قبل الشروع في تنظيف البيوت وتلميع النوافذ وتحضير الأطباق لاستقبال شهر رمضان، علينا أن نهتم بتنقية قلوبنا من الحقد، والحسد، والنميمة، والغش. طهارة القلب تأتي أولًا قبل طهارة الجدران. وقبل أن تغسلوا الأبواب وتزيلوا الغبار عن النوافذ، احرصوا على تنظيف ما يختبئ في الصدور. فالغبار على الجدران يمكن أن يُمسح، أما غبار القلب قد يُطفئ النور الداخلي.
لا تستقبلوا رمضان بقلوب ممتلئة بالكراهية تجاه الآخرين، أو بصدور تضيق بالحسد، أو بألسنة تتحدث بالنميمة. هذا الشهر المبارك يليق فقط بالقلوب النقية، والنفوس الصافية، والأرواح التي تختار العفو بدلًا من الانتقام. اجعلوا قلوبكم خالية من المشاعر السلبية كما تهتمون بتنظيف منازلكم من الأوساخ وإعداد أشهى الأطعمة والمشروبات، فبيت نظيف وقلب مليء بالسوء ليس سوى ظلامًا مستترًا تحت مظهر جميل.
اجعلوا من بداية هذا الشهر الفضيل محطة للتوبة الصادقة وصفاء النوايا، وانطلقوا بروح تعكس الطهارة والنقاء. استقبلوا رمضان بصفاء داخلي يُعبر عن عظمة وأهمية هذا الضيف الكريم.
في شهر رمضان، تتجلى أروع معاني الإنسانية من خلال الرحمة والتعاون. إنه زمن تذوب فيه الأنانية، وتمتد الأيدي بالعطاء والبذل قبل أن يُطلب. على مائدة الإفطار، نستحضر أولئك الذين لا يجدون ما يسد رمقهم، ومع إحساسنا بجوع الصيام، نزداد تعاطفًا مع المحتاجين.
هذا التكافل هو الأساس الذي يبني مجتمعًا قويًا متماسكًا، يدعم بعضه بعضًا، ويساهم في جعل الإحسان سمة راسخة في أعمالنا وسلوكياتنا.
يعزز شهر رمضان الروابط الأسرية بشكل كبير، حيث يمثل فرصة قيمة لإحياء مشاعر الحب بين أفراد العائلة وتقوية العلاقات العائلية. يعد هذا الشهر دعوة للتخلي عن كل ما يسبب الألم أو التوتر، ليصبح وقتًا مميزًا مليئًا بالمحبة والمودة. إنه فرصة للتغيير والتحسين، ليس فقط على المستوى الروحي والإيماني، بل في جميع الجوانب التي تسهم في الارتقاء بأسلوب حياتنا وتجعلها أكثر جمالًا.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: الآية 13].
هو فرصة لتطهير النفس من أمراض القلوب التي تساعد في تباعد الأفراد، وتزرع الأحقاد والعداوات فيما بينهم.
وهكذا تفتح الأبواب لاستقبال السعادة الروحانية والصفاء النفسي واستشعار نعم الله وفضله، وحينئذ يكون رمضان دائمًا شهرًا مختلفًا بكل لحظاته وسلوكياته عن بقية شهور السنة.
ومن خلال ما طرحنا يمكن أن ندرك ما للسعي من أهمية للوصول إلى الفهم الصحيح لهذا الشهر المبارك وكسب الهبات والنعم والبركات والعطايا الإلهية.
هذه النعم والبركات العظيمة والعطايا الجليلة التي تؤدي إلى حصول الإنسان على سعادة الدنيا والآخرة، وتسير به نحو الهدف السامي الذي يحلم به الصالحون ويشتاق إليه المتقون.
وكما ورد في فقرات هذا الدعاء المشهور في شهر رمضان المبارك:
”وَهذا شَهْرٌ عَظَّمْتَهُ وَكَرَّمْتَهُ وَشَرَّفْتَهُ وَفَضَّلْتَهُ عَلى الشُهُورِ وَهُوَ الشَّهْرُ الَّذِي فَرَضْتَ صِيامَهُ عَلَيَّ وَهُوَ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أَنْزَلْتَ فِيهِ القُرْآنَ هُدىً لِلنّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدى وَالفُرْقانِ، وَجَعَلْتَ فِيهِ لَيْلَةَ القَدْرِ وَجَعَلْتَها خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ فَياذا المَنِّ وَلا يُمَنُّ عَلَيْكَ مُنَّ عَلَيَّ بِفَكَاكِ رَقَبَتِي مِنَ النّارِ فِي مَنْ تَمُنُّ عَلَيْهِ وَأَدْخِلْنِي الجَنَّةَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ“.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من عتقائه من النار، اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي فِيهِ بِالْعَثَرَاتِ، وأَقِلْنِي فِيهِ مِنَ الْخَطَايَا والْهَفَوَاتِ، ولَا تَجْعَلْنِي غَرَضًا لِلْبَلَايَا والْآفَاتِ.
نسألكم الدعاء ونرجو من الله أن يتقبل منا صيامنا وقيامنا، إنه سميع الدعاء.
















