الصوم وصناعة شخصية الإنسان
الصوم منهج أخلاقي وروحي يعمل على صياغة جوهر الإنسان بما اكتسبه خلال الشهر الكريم، من هدوء نفسي يضبط إيقاع تفكيره وسلوكياته وفقا لضمير يقظ وإرادة تمانع السقوط في وحل الشهوات والنزوات، ولهذا استحقّ الصائمون ما وعدهم الله تعالى من الأجر العظيم لأنهم لم يصوموا عن الطعام فحسب، بل صاموا عن الغفلة والجهالة وتضييع الأوقات وارتقوا بأنفسهم في مدارج العبودية، وصار الصوم مدرسة لإحياء القلب ومنهجا دائما لتهذيب النفس وصناعة الإنسان الصالح.
ويُعَدُّ الصوم من أقدم العبادات وأعمقها أثرا في بناء الإنسان روحيا وأخلاقيا، وقد قرّر القرآن الكريم عالميّته بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة الآية 183]، مما يدل على أنه برنامج تربوي مشترك بين الأديان السماوية، فالصوم ليس مجرّد امتناع عن الطعام والشراب بل هو منهج إلهي متكامل لإعادة تشكيل الإنسان من الداخل وصياغة وعيه وضبط غرائزه.
ومن آثار الصوم أنه يُحدِث في النفس حالة معنوية خاصّة تتجلّى في صفاء الباطن ورقّة القلب وقابلية التأثّر بالمواعظ، فحين يمتنع الإنسان باختياره عن المباحات يرتفع عن مستوى الاستجابة الفورية للشهوة ويتدرّب على تقديم القيم على الرغبات، وهذه الممارسة اليومية تُضعف سلطان الجسد حين يطغى وتُقوّي حضور الروح والعقل.
إن الجوع والعطش في نهار الصوم وسيلة إيقاظية تُذكّر الإنسان بحقيقته وحدوده، كما أن الصوم يوقظ الشعور بآلام المحرومين، إذ لا يمكن لمن ذاق ألم الجوع - ولو لساعات - أن يبقى غافلا عن واقع الفقراء، ولذلك كان شهر رمضان موسماً للصدقة والإحسان والتكافل الاجتماعي، كما أن تذكّر الجوع والعطش يربط الصائم بالآخرة ويُذكّره بأهوال يوم القيامة حيث يقف الناس بين يدي الله تعالى محتاجين إلى رحمته ورضوانه.
ومن أهم آثار الصوم أنه مدرسة لتقوية الإرادة، فالصائم يمتنع عن المباحات لا لعدم قدرته عليها بل مع قدرته عليها استجابة لأمر الله تعالى، وهذه القدرة على الكفّ مع الإمكان هي جوهر الإرادة الأخلاقية فالذي يضبط نفسه عن الطعام والشراب يكون أقدر على ضبطها عن الحرام، كذلك يُدرّب الصوم الإنسان على تحمّل الظروف الصعبة وقلّة الموارد فينشئ شخصيات صابرة وقانعة لا تنهار أمام الشدائد، ومن هنا كان الصوم تربية عملية على الصمود في مواجهة أهواء النفس وإغراءات الحياة.
وإلى جانب آثاره الروحية ثبت أن للصوم آثارا صحية معتبرة، إذ يُسهم في تنظيم عمليات استقبال البدن للغذاء واستهلاكه، ويمنح أجهزة الجسم فرصةً لإعادة التوازن، ففترات الامتناع المنتظمة تُعين على ضبط العادات الغذائية وتخفيف العبء عن الجهاز الهضمي وتحفيز عمليات الإصلاح الداخلي في الجسم، ومع أنّ الغاية الأولى من الصوم عبادية روحية إلا أن الشريعة التي شرعته لم تُغفل مصالح البدن بل جمعت بين صلاح الروح وسلامة الجسد.
















