التصدّع الصامت
بعد وقوفنا مَليًّا أمام ظاهرة الطلاق المتصاعدة، ومحاولتنا تفكيك أسبابها النفسية والاجتماعية والثقافية تأكد لنا، أن المشكلة لم تعد حادثة فردية تتكرر، بل مسارًا مقلقًا يتشكل في عمق المجتمع. لسنا أمام خلافات زوجية عابرة، بل أمام تحوّل في بنية التفكير، وفي فهم معنى الزواج ذاته.
لقد انغمس كثير من شبابنا وشاباتنا في إيقاع حياة عصرية متسارعة، أعادت تشكيل أولوياتهم، ورفعت سقف توقعاتهم، وقلّصت مساحة الصبر في نفوسهم. حتى أصبح الطلاق، في بعض الحالات، قرارًا يُتخذ بخفة تثير الدهشة، وكأنه استبدال لشيء مادي لا أكثر. وهذه ليست مبالغة خطابية، بل توصيف لواقع بدأ يفرض نفسه بأرقامه وآثاره الممتدة.
غير أن التوقف عند التشخيص وحده لا يكفي. فالمجتمع الذي يكتفي بالرصد دون مبادرة، يساهم بصمته في تعميق الجرح. والسكوت على هذا التصدّع الأسري لم يعد خيارًا مقبولًا، لأن عواقبه لا تقف عند حدود الزوجين، بل تمتد إلى الأبناء، ثم إلى النسيج الاجتماعي بأسره.
من هنا، تبرز الحاجة إلى انتقالٍ واعٍ من مرحلة طرح الأسئلة إلى مرحلة البحث الجاد عن المخارج. لا حلول سريعة، ولا وصفات جاهزة، بل عمل تراكمي يبدأ بإعادة تشكيل الوعي، ويمر عبر دور الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والخطاب الديني، والإعلام، وصولًا إلى مبادرات عملية تعيد الاعتبار لفكرة الاستقرار الأسري.
هذه السلسة من المقالات المتواضعة لن تكون محاولة لإلقاء اللوم على أحد بعينه، ولا لتجميل صورة الماضي، بل سعيًا لفهم أعمق، ومصارحة أشجع، وبحثٍ مسؤول عن آليات الخروج من هذا المأزق. سنناقش دور البيت في التربية العاطفية، ومسؤولية المؤسسات في تأهيل العريسين قبل الزواج، وأثر الثقافة الاستهلاكية، وأهمية الدعم النفسي والاجتماعي، وغيرها من المحاور التي لا يمكن اختزالها في مقال واحد.
إن الحفاظ على الأسرة ليس شعارًا تقليديًا، بل ضرورة وجودية لأي مجتمع يسعى للاستقرار والاستمرار. وإذا كان الطلاق في بعض حالاته حلًا مشروعًا لضررٍ لا يُحتمل، فإن تحوّله إلى خيار متعجل وسهل هو ما يستوجب التوقف والمراجعة.
نحن أمام لحظة تتطلب شجاعة فكرية، وتكاتفًا مجتمعيًا، وإدراكًا بأن معالجة الظاهرة مسؤولية جماعية لا فردية. فإما أن نبادر اليوم بوعيٍ متدرّج، أو ننتظر غدًا نتائج لا نملك حينها القدرة على احتوائها لا سمح الله.
















