شهر رمضان… صحح مفاهيمك الغذائية
ما إن يطرق شهر رمضان الأبواب حتى يدخل علينا دخول الضيف الكريم…
ضيف يحمل في جعبته زادًا روحيًا يوقظ القلوب، وزادًا اجتماعيًا يجمع الأسر، وزادًا صحيًا يعيد ترتيب علاقتنا بأجسادنا، وزادًا معرفيًا يدفعنا للتأمل والمراجعة.
هو شهرٌ يحرص كل واحدٍ منا أن يصومه بأحسن صورة؛ فمن أراد الزيادة العبادية، جدْول يومه بالصلوات والنوافل وتلاوة القرآن، ومن أراد التزود العلمي، فتح لنفسه باب القراءة والتأمل، ومن أراد إصلاح عاداته، جعل من رمضان نقطة انطلاق جديدة.
لكن… في خضم هذا الاجتهاد، يقع بعضنا في ممارسات غذائية وصحية خاطئة، يظنها عونًا له على الصيام، بينما هي - في حقيقتها - تُثقِل الجسد بدل أن تعينه، وتُضعف الطاقة بدل أن تحفظها.
وهنا نقف مع أبرز المعتقدات الصحية الخاطئة في رمضان، ونصححها بلغة العلم والوعي.
يظن البعض أن السحور الضخم هو درعٌ واقٍ من الجوع. فيملأ طبقه بأصناف متعددة وكميات كبيرة، معتقدًا أن المعدة ستخزن هذا الطعام لساعات طويلة.
لكن الحقيقة العلمية أن المعدة لا تعمل كمخزنٍ مؤجل الاستخدام.
الإفراط في الأكل يؤدي إلى:
• بطء في الهضم.
• ارتجاع وحموضة.
• خمول صباحي وثقل في الحركة.
السر ليس في الكمية… بل في النوعية.
الأفضل أن تكون وجبة السحور متوازنة، تضم:
• كربوهيدرات بطيئة الامتصاص مثل الشوفان أو الخبز الأسمر.
• مصدر بروتين كبيض أو لبن أو زبادي أو بقول.
• دهون صحية كمكسرات أو قليل من زيت الزيتون.
هكذا نصوم بطاقة مستقرة… لا بثقلٍ مرهق.
التمر سنةٌ وبركة، وهو مصدر ممتاز للجلوكوز السريع الذي يحتاجه الجسم بعد الصيام.
لكن الاعتقاد بأن الإكثار منه وحده يعوض طاقة اليوم بالكامل اعتقاد غير دقيق.
فالتمر - رغم فوائده - لا يحتوي على بروتين كافٍ ولا دهون ولا ألياف بالقدر الذي يجعل منه وجبة متكاملة.
والإفراط فيه قد يسبب ارتفاعًا سريعًا في سكر الدم، يتبعه هبوطٌ مفاجئ.
السنة والاعتدال هو الميزان:
1 إلى 3 تمرات مع ماء، ثم وجبة متوازنة تكمل احتياجات الجسم.
مع حلول المغرب، تمتلئ الموائد بأكواب العصائر الملونة، ويظن البعض أنها تعوض السوائل أفضل من الماء.
لكن معظم العصائر - حتى الطبيعية منها - تحتوي على:
• سكر مركز
• سعرات حرارية عالية
وهي لا ترطب الجسم بكفاءة الماء، بل قد ترفع مستوى السكر وتزيد الوزن.
تذكر أن الماء هو الأساس.
وإن أردنا الفاكهة، فالثمرة الكاملة أفضل من العصير المصفّى.
يظن بعض الصائمين أن رمضان شهر توقف تام عن الحركة. فيتحول المساء إلى جلوس طويل وخمول مستمر. بينما تؤكد الدراسات أن النشاط الخفيف:
• يحسن حساسية الإنسولين
• يساعد على الهضم
• يعزز المزاج والطاقة
وأفضل الأوقات لذلك: بعد الإفطار بساعتين، أو قبل الإفطار بساعة بنشاط خفيف.
مشي لمدة 20-30 دقيقة كافٍ ليصنع فرقًا كبيرًا.
الصيام بحد ذاته لا يعني خسارة الوزن. كثيرون يزداد وزنهم في رمضان بسبب:
• الحلويات الرمضانية
• المقليات
• الإفراط في وجبة واحدة كبيرة
الوزن لا يرتبط بعدد ساعات الصيام فقط، بل بمجموع السعرات خلال 24 ساعة.
الميزان لا يعرف أننا صائمون…هو يحسب ما يدخل الجسد فحسب.
يشرب البعض أربعة أو خمسة أكواب دفعة واحدة ظنًا أن الجسم سيخزنها طوال النهار.
لكن الجسم لا يخزن الماء بهذه الطريقة، والكلى تطرح الفائض خلال ساعات قليلة.
الأفضل توزيع شرب الماء من الإفطار إلى السحور تدريجيًا، بكميات معتدلة ومتفرقة.
بعد ساعات من الصيام، تكون المعدة في حالة راحة. وتناول كمية كبيرة دفعة واحدة يرهق الجهاز الهضمي.
الأفضل تقسيم الإفطار:
• تمر + ماء
• أداء صلاة المغرب
• وجبة معتدلة
• وجبة خفيفة لاحقًا عند الحاجة
هكذا نعطي المعدة فرصة للاستيقاظ التدريجي، لا صدمة مفاجئة.
أخيراً تذكروا أن شهر رمضان ليس شهر الحرمان…بل شهر إعادة الضبط.
هو فرصة لتصحيح علاقتنا بالطعام كما نصحح علاقتنا بالوقت والعبادة.
فإذا اجتمع الوعي الصحي مع السمو الروحي، أصبح الصيام عبادةً للجسد والروح معًا.
فلنجعل من رمضان مدرسةً نخرج منها بعاداتٍ أجمل…لا بمفاهيم خاطئة تتكرر كل عام.
















