نحو تجسيد ناجح لمفهوم الموقفية في الإدارة
كان قصب السبق في تصنيع الهاتف النقال من نصيب شركة ”موتورولا“ الأمريكية عام 1973، وهي من اخترعت راديو السيارة وابتكرت الاتصالات اللاسلكية وصنعت التلفزيون عالي الجودة HDTV ثم اللابتوب، حتى تضاعفت أرباح الشركة وتسيدت السوق بفضل اختراعها للعديد من الأجهزة الإلكترونية دون منافس. فمنذ بداياتها دعمت عنصر الابتكار وعززت ثقافة التنافس الداخلي وجودة الأداء بين قطاعات الشركة، غير أنها مع بدايات الألفية الثالثة هيمن على قيادة الشركة الاعتقاد الخاطئ أنها ستبقى الأفضل طويلًا، وتدريجيًا تحولت ثقافة التنافس الداخلي بين إداراتها إلى صراع داخلي محموم، مما حوَّل النجاح الكبير إلى متاعب لم تتمكن قيادتها من السيطرة عليها. فكانت النتيجة أن عالم الهواتف الذكية اليوم تتزعمه ”أبل“، واستمرت ”موتورولا“ في التراجع إلى أن انتهى بها المطاف عام 2014 ببيع جميع ممتلكاتها باستثناء برج مقرها السابق، بعد تاريخ حافل كان قد بدأ مع التأسيس عام 1928.
يمكن اعتبار هذا الموجز عن ”موتورولا“ مدخلًا مناسبًا لإلقاء الضوء على مفهوم القيادة الموقفية. فمن بين مجموعة المفاهيم والتعريفات في مجال الإدارة والقيادة لفت نظري هذا المصطلح، وذلك ضمن البرنامج الذي أمضيته في تجمع الشرقية الصحي خلال شهري فبراير ومارس 2023، وهذه السطور محاولة للربط بين ممارسة هذا المفهوم الإداري الحديث نسبيًا والاشتراطات المؤدية بهذا النمط الإداري إلى النجاح أو الإخفاق.
انبثق مفهوم القيادة الموقفية (Situational Leadership) في سياق تراكم التطور المعرفي الهادف عالميًا إلى تطوير إدارة المؤسسات وكفاءة القادة، ويسمى أيضًا المدرسة الظرفية. ويتلخص هذا المفهوم في أنه لا يوجد أسلوب مثالي للإدارة يطبق في جميع الظروف والأحوال؛ وبتعبير أقرب، فإن أسلوب القائد الذي يعطي نتيجة إيجابية في موقف أو ظرف معين لا يعطي نفس النتيجة في موقف آخر أو ظرف مختلف، ولكن ليس بطريقة عشوائية، وإنما وفق ضوابط ومهارات.
وقد تبلور هذا المفهوم نتيجة تجارب ودراسات إدارية بدأت بنموذج الباحث النمساوي فريد فيلدر (1922-2017) في ستينيات القرن الماضي، ثم طوَّر علماء آخرون تفاصيل النظرية التي تمحورت حول فكرة أساسية هي عدم وجود (مبادئ إدارية) صالحة للتطبيق في جميع الظروف؛ إذ إن المتغيرات الهائلة والعديدة على صعيد المعرفة والاكتشاف العلمي والتطور التقني، وما تبعها من تأثيرات عميقة على بيئة الأعمال، أدت إلى صياغة هذا المفهوم وتطويره ليضيف توجهات جديدة في السلوك التنظيمي والإداري خلال الألفية الثالثة.
من أهم ما توليه المدرسة الموقفية/الظرفية اهتمامها بسلوك الممارسة الإدارية للقائد/المدير؛ حيث ترى ضرورة تكيُّف القائد مع طبيعة المتغيرات، خارجية كانت أو داخلية، للمنظمة، وحجم ونوع المهمة أو المشروع، إضافة إلى الوقت المتاح للإنجاز، ورابعًا فهم المعايير التي يحملها المرؤوسون.
واعتمدت النظرية في بداياتها بتمكين القادة لممارسة أنماطًا قيادية متعددة بناءً على الفهم الدقيق (لسلوكيات وعلاقات واستعدادات المرؤوسين)، فيتعين على القائد مواءمة أسلوبه القيادي وفقًا لاحتياجات الأداء من حيث الظرف والموقف، وكذلك ما يمكن وصفه بنضج المرؤوسين. وبالتالي تقاس فاعلية القائد بناءً على قدرته على إدارة المهمة بحسب مستوى النضج لدى كل فرد من المرؤوسين، إما بأسلوب الأمر، أو المشاركة، أو أسلوب التفويض.
في منتصف ثمانينيات القرن الماضي تطور هذا السلوك القيادي للمدرسة الظرفية بالتركيز على المستوى التنموي للمرؤوسين، وليس مستوى نضج المرؤوس؛ بمعنى أن دور القادة مساعدة المرؤوسين على النمو. ومع زيادة كفاءة الأداء للمهام فلن يكونوا بحاجة إلى إشراف مستمر، بل تنمو مهاراتهم بتأثير وتدخل محدود من القائد استنادًا على مستوى كفاءة المرؤوس (مهاراته، خبرته، معارفه)، واستنادًا أيضًا على مستوى الالتزام، وهو (قدرة الموظف على إنجاز المهمة بنجاح)، فيحدد القائد أسلوبه وفق الكفاءة والالتزام ليأخذ أسلوب التوجيه أو التدريب أو أسلوب المساندة وأخيرًا أسلوب التوكيل.
بيد أن معادلة النجاح الفعلي في إطار المدرسة الظرفية، لا يصح تمريرها ضمن تفكير عشوائي أو مصلحي لذات المدير وحسب، بل هناك شرطان أساسيان: الأول يتعلق بشخص القائد، والذي يجب أن يتوفر على نوعين من المهارات: الأولى (مهارات صلبة) كالتخصص الأكاديمي والخبرة والاحترافية التقنية، والثانية (مهارات ناعمة) كالتواصل الفعال وإدارة الوقت والقدرة على التغيير والعلاقة الفعالة مع الآخرين والتمكن من معالجة الاختلافات، وأيضًا الذكاء العاطفي، أي قدرته على التحكم بعواطفه للتصرف بحكمة، إضافة إلى فهم عواطف من حوله ونظرتهم لأنفسهم وقدرته على التعامل معها.
والشرط الآخر يتعلق ببيئة المنظمة بأن تولي القيادة العليا أهمية حماية المنظمة من أمراض البيئة الإدارية كالاحتراق الوظيفي، ومرض المحسوبيات في الامتيازات وعدم المحاسبة، والمناكفات الداخلية، والقرارات التعسفية وغير المدروسة التي تنشر الإحباط بين الأفراد.
ولا بد من تلازم هذين الشرطين لتصل الإدارة الموقفية إلى نجاحات مضاعفة، أما في حال الفصل بين هذين الشرطين أو اختلال أحدهما، فسيؤدي إلى نتائج عكسية حتمية. فشركة ”موتورولا“ بدأت التراجع الحقيقي برئيس تنفيذي عام 2004 لم يُشخِّص التحول في سوق الهواتف، فساهم هذا التغيير في فشل خطط الشركة التسويقية لهاتفها المحمول المنافس للآيفون، ثم تراوحت قرارات قيادتها الجديدة بين النجاح المحدود والفشل، فأخرجتها من المنافسة العالمية، مما أربك بيئة العمل وتفاقمت فيها الخلافات الداخلية دون وجود ضابط لها، وأدت إلى تسريح عدد مهول من الموظفين بعدما كانت مركز استقطابٍ وفخر للعاملين لديها. ومع انشغال الشركة بوضعها الداخلي وانقساماتها تخطتها ”نوكيا“ و”سامسونج“ وأخيرًا ”أبل“.
















