آخر تحديث: 16 / 2 / 2026م - 12:29 ص

العنوان: التفكير الممنهج حول «أنا متصالح مع نفسي!»

حسين مكي المحروس

أنا متصالح مع نفسي! هذه جملة كثيرًا ما نسمعها تتردد في أوساط أبنائنا الشباب، وهي تُقال بثقة، ونحن بدورنا نستقبلها بكل ارتياح، وكأنها شهادة تبصيم على شعور باكتمال نفسي داخلي. غير أن طريقة التفكير الممنهج لا يجدر به أن يتعامل مع هكذا عبارات بنعتها حقيقة ثابتة غير قابلة للتمعن والنقاش. الجملة هي تصوير رمزي مجرد وانعكاس لارتياح داخلي، وعليه فهي تحتاج إلى بعض من التوقف والتفحص والتدبر. التصالح هو مفهوم نفسي عميق يتصل بالرضا والارتياح، فالأولى أن لا يُقاس بالشعور اللحظي فقط، والأحرى والأفضل أن يُمسطر بمقدار كمية الوعي التراكمي الداخلي ممزوجًا بسرعة وتسارع حركة تكامل النفس عبر الزمن. ما نقصده هو أن الإنسان كائن متحرك حتى وإن بدا لك ظاهرًا أنه واقف جامدًا، فهو على العكس دائم الحركة الجوهرية العقلية والتغيير المستمر في عموم تفاصيل معيشته الدقيقة. كما أنه يتقلب في منعطفات حياته الكبرى، ومن شاء أن يفقه نفسه استلزم منه أن يتصفح هذا الانتقال مطالعة تفاؤلية واعية.

فمثلًا، القرآن الكريم يقرر حتمية وأهمية قانون التغيير الداخلي كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: 11]. فهذه الآية تتعدى رمزية الخطاب الوعظي، إلى سن وبيان قانون وجودي متكامل ومترابط. فما في الداخل الإنساني هو المنشأ، بينما يبقى الخارج مظهرًا وانعكاسًا لما في الداخل. التغيير لا يتنزل على النفس من خارج حدودها، ألا تراه ينبعث ويتشكل من جراء قراراتها، ومن مراجعاتها لتلك القرارات، ومن وعيها الذاتي بأثرها. وحين يظن الإنسان واهِمًا أن حاله مستقرة تمامًا، وأن لا ضرورة لأي تغيير في نسق حياته، حينئذ تتوقف عملية القراءة، ويصل إلى مرحلة عقيمة من التبلد والتجمد في تلمس النزعة إلى التطوير والتميز.

في اعتقادي أن التفكير الممنهج حول «التصالح مع النفس» يبدأ من خلال طرح هذا السؤال المركب، تمعن معي! ماذا أعني بكوني متصالحًا مع نفسي؟ وهل أقصد أنني قد وصلت إلى مستوى من الرضا والقناعة الواعية بعد اكتمال أطوار المراجعة النقدية الدقيقة، أم أنها فقط مجرد حالة ارتياح عابرة نشأت من نمطية سلوك الاعتياد الروتيني والرتابة المريحة البعيدة عن التأمل والتدقيق والتفكر؟ هذا التساؤل يرمي إلى تحرير مفهوم التصالح من وضعيته العمومية المبهمة، وينتشله إلى نطاق دقيق يمكن تحليله والتحقيق حوله ومسائلته. على الضفة الأخرى فإن البقاء من دون هكذا استعلام واضح سيبقي الفكرة رهينة الضبابية العائمة، وسيتحول إلى شعار خاوٍ يتردَّد في الألسن من غير انضباط. نلخص فنقول إن المنهج الذي ندعو إليه في هذا المقال يأمل في أن يعيد ترتيب نظرة التصالح في الذهن بطريقة نسقية واقعية مثمرة سليمة، كما يتطلب تعريفًا منضبطًا للتصالح بحيث يخرجه من قيود الوهم إلى حرية الواقع بكيفية يتسنى من خلالها قياسه بكيفية منهجية عملية.

بعد تحديد المفهوم، تأتي المرحلة الثانية، وهي منصة الملاحظة والتغيير. لقد اعتدنا على أن نقرأ النفس من خلال سلوكها النمطي المتمثل في المواقف والأحداث اليومية. طريقتنا في التعامل مع أخطائنا وزلات الغير، مستوى تقبل النقد، طبيعة الحوار الداخلي عند مواجهة بوادر الفشل، الشكل الذي سيئول إليه القرار عند التعارض بين المصلحة الشخصية والعامة. هذه بعض صور من المحطات التي تمثل بيانات حقيقية تحكي حال الإنسان وتؤطر مفاهيمه. على أن القراءة الصادقة الهادفة لهذه البيانات ستؤول بمهمة الكشف عن مدى درجة النضج، وبالتبع ستوضح مواضع الخلل وتركز على الحاجة إلى العناية والتقويم. تذكر يا صديقي أن هدف الملاحظة هنا ليس البحث عن العيوب، بقدر كونه سعيًا بريئًا للوصول لفهم أوضح للبنية النفسية الداخلية.

كوننا على أعتاب الشهر الكريم، سنأخذ عبادة الصيام كمثال لنفهم دور التحليل. التحليل هو فن ربط مفهوم «المصالحة» والملاحظات عليها بالهدف الأعلى والأسمى من الصيام. يعني ببساطة، يريد منا الشرع المقدس أن ننتقل من التركيز على بريق مظهر العبادة كممارسة روتينية «نصوم كما يصوم عامة الناس» إلى أهمية التمسك بالهدف والغاية والجوهر من حث الشارع على عبادة الصيام. فإذا كان المراد الحقيقي من وجوب الصوم هو بناء جدار التقوى الراسخة كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183]، فإن التقوى هنا لا يمكن أن تتحقق بالادعاء ولا بالتوهم، وإنما من خلال الإخلاص والعمل الجاد في مجاهدة النفس في خضم عبادة الصيام، ومحاولة التغلب على أهواء النفس ونزواتها الملحة. مطلوب منا أثناء الصيام زيادة حضور الضمير، انتظام السلوك، الثبات والصبر في لحظات الغضب، والانتصار على الشهوات بالتقوى. التحليل في «ادعاء التصالح مع النفس» الذي ندعو إليه يدرس مدى التوافق بين ما تقوله أنت عن نفسك من زعم، وبين ما يظهر «لك وليس للناس» من إخلاص في أفعالها. تحليل الانسجام يمنحك الطمأنينة، بينما حصر التباين يفتح لك باب المراجعة والتطوير والإصلاح.

شهر رمضان يمثل فرصة مكثفة لهذه القراءة المتأنية، على ضوء ما روي عن النبي ﷺ «أقبل إليكم شهرٌ من أفضل الشهور، شهرٌ دُعيتم فيه إلى ضيافة الله…». الدعوة إلى الضيافة الإلهية تقتضي استحصال الاستعداد الذي يليق بهكذا المقام. التأهب لا يقتصر على مرتبة تحضير الوقت، إنه يشتمل على محطة التحصيل والتأصيل لدرجة تهيئة النفس. من يدخل الشهر بوعيٍ أوضح لحركته النفسية الداخلية، يستطيع أن يستثمر أيامه في توجيه مسار الإصلاح الداخلي. بينما من يكتفي بالركون إلى عبارة الاطمئنان «إلى ادعاء التصالح مع النفس» يفوته جانب من عمق وتجذر تجربة التغيير والإصلاح.

ولأن النفس مسار متحرك، فإن الرياضيات تمنحنا صورة دقيقة لفهمها. في التفاضل يُقاس ميل المنحنى لمعرفة اتجاهه اللحظي، وفي التكامل تُجمع المساحات الصغيرة لتكوين الصورة الكلية. حياة الإنسان تسير على هذا النحو؛ الميل يظهر في تفاصيل الأيام، في رد الفعل، في قرار سريع، في لحظة خلوة. والمساحات تتراكم عبر الأفعال الصغيرة المتكررة. قراءة الميل تمنحك فهمًا للاتجاه، بينما عملية جمع المساحات تكشف لك مقدار وحجم التغيير الحقيقي. هذه النظرة العلمية تساعد على التعامل مع النفس كمسار قابل للقياس، بدل النظر العقيم لها على أنها حالة مجردة جامدة صماء لا روح فيها.

التفكير الممنهج لا يكتفي بالاستيعاب، بل ينتقل إلى التخطيط. التخطيط في المجال الروحي يعني تحديد هدف واضح للشهر، واختيار قيمة يراد تعزيزها، وتعيين وسيلة عملية لمتابعة التقدم، وكتابة ملاحظات مختصرة، وتقييم أسبوعي، ولا تنتهي بمراجعة شاملة بعد انتهاء الشهر. هذه الإجراءات العملية تساعدك في تحويل النية في التغيير من مجرد أمنية خاوية إلى برنامج عملي يمكن تقويمه وتصحيح مساره. البرنامج سيتحول من كلمات على الورق إلى خطوات واقعية متلاحقة. من دون خطة عمل واضحة سيظل التغيير مجرد احتمال وحلم وربما وهم، بينما مع المخطط سيصبح مسارًا يمكن تتبعه وإصلاحه.

إن الإنسان حين يراجع نفسه بهذه الطريقة العملية لا يفقد طمأنينته. انظر بدقة، سترى أنه يعمق فرص نجاح خططه الإصلاحية. السكينة الحقيقية تنشأ من معرفة الاتجاه، ومن الإحساس بالنمو المتدرج المطرد من خلال منحنى تكاملي واضح. كل عام سوف يضيف طبقة جديدة إلى بنائك النفسي الداخلي. بهذا التراكم الهادئ ستصنع تحولًا راسخًا في اتجاهك، وستمنح العبادة أثرًا يتجاوز زمنها المحدود حتى تصبح ملكة ولذة.

اسمح لي ببعض الكلمات القاسية! أنت ستكون ساذجًا ولست متصالحًا مع نفسك حين تظن أنه لا توجد ثمة حاجة إلى التغيير ما دمت تؤدي ما اعتدت عليه من أعمال. السذاجة هنا تنبع من إهمالك لقراءة ميلك الداخلي، وإغفالك لحركة النفس الدقيقة. الحياة تمضي، والإنسان يتحرك معها، ومن لا يتابع مساره سوف يرتطم بالحقيقة المرة حين يلاحظ أنه تركه يتشكل من غير وعي. اليقظة الفكرية تحميه من شرك هذه الغفلة، وتمنحه القدرة على توجيه ذاته نحو ما يريده ويتكامل من أجله.

أنت مغبون ولست متصالحًا مع نفسك حين تمر عليك مواسم الترقي العبادي من دون أن تضيف إلى نفسك مقدارًا محسوسًا من الوعي والنضج والتقوى. الغبن يستتر في إهمال الفرصة، وفي ترك المساحات الصغيرة تضيع سدى دون جمع، وذلك في تجاهل صارخ للقانون القرآني الذي جعل من التغيير مسؤولية شخصية فردية. من أدرك هذه الحقيقة جعل من التفكير الممنهج عادة دائمة، وقرأ نفسه بصدق وبصورة صحيحة، وضبط ميلها، وجمع أفعالها، وسار في طريق النمو والترقي بثباتٍ وبصيرة إلى التقوى.