آخر تحديث: 16 / 2 / 2026م - 12:29 ص

نجاح اقتصادنا ليس رهناً بالمنشآت الكبيرة

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

النجاح الاقتصادي لا تجلبه بالضرورة الشركات الضخمة، فتحقيق مستهدفات ”رؤية السعودية 2030“ في التحول إلى اقتصاد متنوع لن يقوم فقط على جهود شركات لأنها عملاقة وكبيرة، بل لأنها ”ذكية ومنافسة ومبدعة ورائدة“، أما الحجم فقضية جانبية؛ فكما يقول المثل الخليجي ”الصغير يكبر“! والعبرة بما تضيفه الشركة (مجهرية أم عملاقة) من قيمة مضافة صافية (Net Value Added)، وهي محصلة ما تنتجه الشركة بعد خصم مدخلات الإنتاج والإهلاك. ونمو وتعاظم هذه القيمة المضافة الصافية هو ما يجعل الاقتصاد متنوعًا ومنافسًا، وهذا التعاظم والنمو هو الطريق نحو التحول من اقتصاد الريع إلى اقتصاد الإنتاج.

فضلاً عن أن المنشآت الصغيرة والمتوسطة تساهم - إجمالاً - بنصيب أكبر في النمو الاقتصادي من جانب خلق الوظائف، وبالتالي الحد من البطالة، وهذا مطلب أساسي لمجتمع جل سكانه من الشباب، في حين أن الشركات العملاقة عادة ما تكون أفضل إنتاجيةً. وهكذا، عند التمعن في الاقتصادات المتقدمة، نجد أن المساهمة مقسمة تقريبًا بالتساوي (50:50) بين المنشآت الكبيرة وتلك المتوسطة والصغيرة. ولعل الجانب الذي تتفوق فيه المنشآت الصغيرة والمتوسطة، ويصبح وجودها مرتكزًا اقتصاديًا لا بديل عنه، هو أنها توفر العمود الفقري للاقتصاد المتنوع والمرن تأسيسًا ليس فقط على عدد منشآتها الكبير بما يوزع المخاطر، بل كذلك حيويتها بما يجعل مهمتها السعي للنمو لتأمين مواقعها وضمان استمراريتها. وأخذًا بهذين العاملين معًا (العدد والحيوية) يجعل المنشآت الصغيرة والمتوسطة تتصرف كمصدات تخفف من وقع الصدمات حال حدوثها.

ما لدينا من منشآت عملاقة وكبيرة يقوم إجمالاً على استغلال ميزة نسبية، وعلى الرغم من أهمية التنقيب واستخراج وتسويق النفط وصناعة البتروكيماويات السلعية، إلا أن المنشآت السعودية العملاقة والكبيرة تدرك أن مستقبلها يكمن في الارتقاء بميزتها التنافسية من خلال الإبداع والاختراع والتطوير؛ ولذا نجد شركتي أرامكو وسابك تتجهان لتحقيق ذلك باتباع أساليب غير مطروقة من قبلهما سويًا، وهي تحويل النفط الخام إلى كيماويات.

لماذا؟ لتوليد مزيد من القيمة. ومثال آخر أن شركة الكهرباء تسعى لشراء الطاقة من صغار المولدين، كالمنازل مثلاً. لماذا تشتري الشركة العملاقة كيلوواطات قليلة من بيوت هنا وهناك؟ لرفع كفاءة أداء الشبكة ككل؟ الرابط بين المثالين هو أن الشركات الكبيرة تبحث عن الاستدامة، واستدامتها تكمن في الحفاظ على ربحيتها، وربحيتها رهن بأن تبزّ المنافسين، والمنافسة سرها أن تنتج بتكلفة أقل فتقود سعريًا، أو تتفرد فيما تنتجه جودةً ونوعًا. إذن، هناك ما يبرر القول إن المطلوب هو الإبداع والاختراع والتطوير؛ فهي قيم القدرة التنافسية وليس حجم المنشأة. فهناك من ما زال يتحدث عن شركات كبيرة حتى تقود المشهد في كل نشاط اقتصادي، وهذا توجه لا يصمد بالضرورة أمام أفضل التجارب؛ إذ إن طبيعة نمو الشركات أن تُولد صغيرة انطلاقًا من فكرة، ثم تكبر بفعل نجاحها المتواصل، وليس بفعل أنها ولدت ضخمة وكأنها تقول للمنافسين ”لا أحد يقرب“. وبالتأكيد، لكل قاعدة استثناءات قد تتعلق بأن الفرصة تتطلب زخمًا كبيرًا من رأس المال أو تكاتف شركاء يملكون التقنية مثلاً والقدرة على الوصول إلى السوق محليًا وعالميًا، لكن ذلك يبقى استثناءً وليس القاعدة. والأمر كذلك ما دام أن المطلوب من القطاع الخاص أن يتصدر المشهد، وليس الشركات العملاقة والكبرى في القطاع الخاص، بل الشركات كافة، وأن تبقى السوق مرحبة بالداخلين الجدد، ومعظمهم سيكون صغيرًا بطبيعة الحال، فيدخل السوق وينبغي أن تتاح له الفرصة، كما تتاح لفسيلة حتى تكبر وتترعرع وتنتج تمرًا.

وليس أدل على ذلك من أن منشآت عملاقة ذوت وتلاشت، وعلى النقيض تعملقت أخرى رغم أنها بالغة الصغر ”ولدت في كراجات“. والأمثلة هنا أكثر من أن تعد، وقد تكفي الإشارة للتناقض المعاش في أوضاع شركتين؛ جنرال إلكتريك العملاقة وما تعانيه من تراجع حاد لم يحصنها حجمها منه، فقد كانت أثمن شركة قبل نحو ثلاثة عقود من الآن، وبالمقابل نجد شركات صغيرة ولدت قبل أقل من عقدين تتربع حاليًا كجواهر التاج في عالم المال والأعمال. وهكذا، لننجح اقتصاديًا - وتعريف النجاح هنا هو أن نحقق مستهدفات ”الرؤية 2030“ - فنحن بحاجة إلى الإبداع والاختراع والتطوير، بغض النظر عن حجم المنشآت.

وأختتم بقصة نجاح لشركة سعودية نجحت وكبرت؛ نأخذ مثلاً ”نينجا“، التي تأسست في العام 2022، نجحت في أن تصبح ”وحيدة قرن“ خلال ثلاث سنوات، وتوصف بأنها أسرع الشركات السعودية نموًا، ولا تهون شركات مبدعة مثل ”تامارا“ و”فوديكس“ و”سلة“، على سبيل المثال لا الحصر. تصوّروا أن لدينا في كل نشاط اقتصادي وحيد قرن، لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، ولكن واصل رحلة النمو من ”الكراج“ إلى التتويج كوحيد قرن؛ ما الذي كان سيحدث لنمو الناتج المحلي الإجمالي؟ وما الذي كان سيحدث في مساهمة القطاع الخاص؟ وفوق كل ذلك، ما الذي كان سيُحدثه توالد كل ذلك من حراك في المشهد الاستثماري؟ أسئلة تبحث بحماس عن إجابات.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى