ثمانمائة ألف ممارس صحي..
حين نتحدث عن الحوكمة في القطاع الصحي، غالبًا ما ينصرف النقاش إلى التنظيم والكفاءة وجودة الخدمة وحقوق المستفيد. لكن زاوية أساسية لا تزال تُدار بحذر أو تُؤجَّل: من يمثل الممارس الصحي نفسه؟ ليس بوصفه موظفًا عاديًا، بل كركيزة أساسية في أمن صحي وطني يعتمد على رأس مال بشري عالي التخصص.
وفق بيانات الهيئة السعودية للتخصصات الصحية، تجاوز عدد الممارسين الصحيين المسجلين في المملكة 800 ألف ممارس صحي، مع نمو سنوي بلغ 7.6% عن العام السابق. هذا الرقم وحده كفيل بأن ينقل النقاش من كونه مطلبًا فئويًا محدودًا إلى كونه قضية تنظيمية ذات بعد وطني. فنحن لا نتحدث عن شريحة صغيرة، بل عن منظومة بشرية ضخمة تعمل في بيئات عالية الحساسية، وتضم وظائف تعتمد على المناوبات والشفتات والطوارئ، وتتحمل مسؤوليات مهنية وأخلاقية لا يمكن قياسها بمنطق ساعات الحضور التقليدية.
ورغم هذا الحجم، لا يزال الممارس الصحي يُدار تنظيميًا بوصفه موظفًا يرتبط بقواعد عمل عامة، مع إلزامه في الوقت ذاته بلوائح صحية خاصة ومتطلبات مهنية ومسؤوليات لا تنطبق على غيره. هذا التداخل لا يعكس مرونة تنظيمية بقدر ما يكشف فراغًا لم يُعالج بشكل جذري: من يوازن العلاقة حين تكون الجهة ذاتها هي من تُشرّع، وتُشغّل، وتُراقب، وتُفتّش، وتُصنّف؟
ولو كانت طبيعة العمل الصحي مشابهة لبقية الوظائف، لما نشأت تخصصات مثل الاقتصاد الصحي، والمالية الصحية، والجودة الصحية، والحوكمة الصحية، والإدارة الصحية، والمعلوماتية الصحية، والأبحاث الصحية والقانون الصحي.
وجود هذه التخصصات بحد ذاته دليل بأن الصحة ليست قطاعًا تقليديًا، بل منظومة معقدة تحتاج إلى أطر مختلفة في الإدارة والتشريع والتمكين.
المفارقة أن هذا القطاع، بكل تعقيده، لا يملك حتى اليوم كيانًا مستقلاً يمثل الممارس الصحي تمثيلًا مؤسسيًا، لا جهة تعكس صوته المهني قبل صدور القرارات التي تمس مساره الوظيفي، وساعات عمله، وسلامته المهنية، ولا قناة رسمية تشاركه الرأي عند صياغة السياسات بدل أن يظل متلقيًا لأثرها بعد صدورها. والنتيجة أن الممارس يجد نفسه فردًا في مواجهة منظومة كاملة، بينما يفترض أن تقوم الحوكمة الحديثة على توازن أصحاب المصلحة.
الحديث عن تمثيل الممارسين الصحيين لا يمكن أن يُختزل في إنشاء جمعية مهنية تقليدية محدودة الصلاحيات. نحن أمام ملف يرتبط مباشرة بمفهوم الأمن الصحي وحماية الاستثمار الوطني في رأس المال البشري. والنظام في المملكة يتيح إنشاء جمعيات مهنية ضمن أطر نظامية واضحة، فالحل الأكثر اتساقًا مع مفهوم الحوكمة هو التفكير في كيان تمثيلي مستقل للممارسين الصحيين، يتمتع بشخصية اعتبارية واضحة، والحديث هنا ليس عن كسر هياكل قائمة، بل عن استكمال أمور تنظيمية، فتمثيل هذا العدد الكبير من الممارسين الصحيين ليس رفاهية، بل خطوة طبيعية في مسار نضج المنظومة الصحية.
















