القصيدة الحديثة في أفق شعراء التسعينيات
في أكثر من لقاء وحوار وفي أغلب كتابتي كنت أشير إلى تجربة سعدي يوسف وعباس بيضون، هي التي أدخلتنا إلى الحداثة وأثّرت بشكل أساسي على مجمل التجارب من جيلي. وهذا يفهم منه عند الكثير أن حساسيتنا الشعرية تالية لجيل الرواد ومؤسسي قصيدة النثر.
وعليه فلا أدونيس ولا أنسي الحاج أو يوسف الخال ويوسف الصايغ باعتبارهم من الرواد أو تجربة مجلة شعر على العموم كانوا ضمن أفق القصيدة التي نكتبها. لكنهم كانوا مؤثرين بطريقة أو بأخرى على تفكيرنا بالشعر، وعلى طريقة حضوره في حياتنا، وصلته المحورية بالثقافة وبآداب العالم، وهذا ما قام به أدونيس بالدرجة الأولى إذْ تأثيره من هذا الجانب واضح وبيّن. بينما حضوره وأثره على قصائدنا نحن جيل التسعينات ضعيفا ويكاد يكون معدوما، وأسبابه كثيرة ليس المجال هنا لذكرها.
بالمقابل كانت قصيدة الجيل الذي أعقب الرواد جيل عباس بيضون ووديع سعادة وسركون بولص هي الأكثر تأثيرا على قصائدنا والأكثر ارتباطا بها، رغم التباين في التجارب أنفسها، والتباين في مسألة التلقي.
بالنسبة لبداياتي كانت فكرة التجريب في اللغة التي تسللت إليّ من التجربة السوريالية عن طريق تجارب معينة كفاضل العزاوي وعبدالقادر الجنابي، وقراءاتي للسورياليين العرب وعلى رأسهم جورج حنين وجويس منصور هي التي سيطرت على شكل القصيدة عندي.
لكن في مرحلة لاحقا أكثر تطورا وفهما لمسألة التجريب في الحياة كان عباس بيضون ووديع سعادة هما الأكثر هيمنة في شكل القصيدة تقنيا.
ربما أشرت في لقاءات سابقة عن تجربة سعدي يوسف التي أدخلتني للحداثة فكنت أعني بالدرجة الأولى أن قصيدته كانت الأكثر مقروئية والأكثر تأثيرا في قصائد التفعيلة عند شعراء الثمانينات بالمملكة، وعبر هؤلاء ورثنا مقروئيته في أفق الإقبال على الحداثة، وكان تأثيره من هذا الباب لا أكثر ولا أقل.
قد يبدو الأمر طبيعيا في إطار مرجعيات التجارب الشرعية وعبوره من جيل لآخر. وقد تكون قصيدة واحدة لها وقع السحر والصدمة على تجربة كاملة بينما ديوان كاملا يعبر أفق قراءتك دون أن يترك أثرا في قصائدك. ولا يعني ذلك عندي انتفاء القيمة الجمالية من الديوان وتحققها في القصيدة فقط، إنما المحيط المكاني للمتلقي وطبيعة ثقافته وعلاقته تفرض سمة معينة ترجح كفة هذا على ذاك أو العكس.
لكن الملفت للنظر فيما يخص قصيدة التسعينات تجد سياقا من التنوع بين من يكتب منهم القصيدة التفعيلية وحتى العمودية، ومنهم من يكتب قصيدة النثر فقط. لكنهم جميعا كانوا يشتركون في فضاء كتابي واقعا تحت سطوة ونجومية شعراء الثمانينات: الثبيتي، الصيخان كمثالين فقط وإلاّ هناك أسماء عديدة على طول البلاد وعرضها.
هذه السطوة أنتجت نسخا مكررة من قصائد التفعيلة عند جيل التسعينات باستثناء تجارب قليلة تجاوزت هذه السطوة وارتادت مناطق شعرية جديدة في صيغتها التفعيلية ومحمد حبيبي كمثال، وهناك بالطبع أسماء تغيب عن ذهني هذه اللحظة.
أما كتّاب قصيدة النثر فإحساسهم بالتهميش من أطراف متعددة «المتلقي، المنابر والمنصات، النقاد» قادهم إلى التمسك بحرية إبداعهم من جهة، وبحرية النص الذي يكتبونه من جهة أخرى، دون ضغوط أو تورط في مساجلات مرهقة كأن النص وحده من يحتل مدن تفكيرهم، فجاءت قصائدهم ممهورة بتأمل الفضاء المكاني الذي يعيشون فيه كتعويض مباشر عن مسألة التهميش، وعلى هذا الأساس تباينت سمات وخصائص تجارب هؤلاء من جيل التسعينات وهذا التباين أفرز أصوات متفردة رغم أنها في معظمها ذات مرجعية حداثية واحدة، وهذا في ظني أهم منجزات هذا الجيل.
أما العلاقة بين الأجيال والتجارب الجديدة فهي قائمة على الذاكرة القصيرة، لا حوار ولا إصغاء، مجرد ضجيج، صداه لا يفتح أفقا تتطور من خلاله القصيدة. وما أعنيه هنا بالحوار والإصغاء هو وضع مختلف التجارب الشعرية القائمة بين الأجيال موضع المساءلة أمام الانفتاح على المشهد الشعري العالمي. لكن جيل التجارب الجديدة يملك الفرصة المتاحة للتقدم إلى هذا الموضع وتحقيقه؛ لأن الثقافة الجديدة في المملكة مع تحولات الرؤية مؤهلة لأن تنتج تجارب شعرية ذات منابع متنوعة، لم تكن متوفرة عند الأجيال السابقة كالنص السينمائي والفنون البصرية بشكل عام.
















