آخر تحديث: 9 / 2 / 2026م - 1:36 ص

مؤتمر العُلا للاقتصادات الناشئة، واقتصاد ترمب الفوضوي ونحنُ

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

في فبراير 2025 استضافت محافظة العُلا السعودية النسخة الأولى من مؤتمر اقتصادات الأسواق الناشئة، بتنظيم مشترك بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي. جمع المؤتمر وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول ناشئة، إلى جانب قادة المؤسسات الدولية وخبراء اقتصاديين، لمناقشة التحديات العالمية مثل تحولات التجارة والنظام المالي، وكيفية تعزيز الصمود والنمو الشامل في ظل تغيرات متسارعة. كان هذا الحدث منصة فريدة لإيصال صوت الأسواق الناشئة، وأسس لسلسلة سنوية تستمر في 2026 تحت عنوان ”السياسات في ظل إعادة ضبط أنظمة التجارة والمالية الدولية“، مما يعكس دور السعودية المتزايد في الحوار الاقتصادي العالمي.

تواجه الاقتصادات الناشئة في عام 2026 تباطؤ النمو العالمي وتصاعد التوترات الدولية، حيث يبرز العامل الجيو - اقتصادي كأكبر المخاطر قصيرة الأجل حسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي للمخاطر العالمية 2026، باستخدام التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد والوصول إلى الموارد الطبيعية «مثل المعادن الحرجة» كأدوات للضغط الاستراتيجي، مما يعزز الحمائية والعقوبات والقيود على التصدير، ويهدد التعددية القطبية دون تعاون متعدد الأطراف فعال. وما يبرر القلق هو تباطؤ النمو العالمي إلى حوالي 2.7-3.3 بالمائة «حسب تقديرات الأمم المتحدة والصندوق الدولي»، ورغم أن نمو الاقتصادات الناشئة أعلى «حوالي 4% أو أكثر قليلاً»، لكن وتيرته أبطأ من السنوات السابقة، مع مخاطر من اضطرابات سلاسل الإمداد الناتجة عن التوترات الجيوسياسية «مثل الصراعات الإقليمية، تقلبات أسعار الطاقة، والمعادن الحرجة»، إضافة إلى ارتفاع الديون الخارجية والضغوط المالية في ظل فوائد مرتفعة نسبياً وتشديد الشروط المالية العالمية.

ومع تصاعد المخاوف من أزمة مالية جديدة تختلف - من حيث المنشأ - عن أزمة 2008 التي ولدتها فقاعة الرهن العقاري في القطاع الخاص، إذ يبدو أن الأزمة المحتملة قادمة تصنعها الديون السيادية، حيث تسجل الاقتصادات المتقدمة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية مستويات ديون قياسية، مع وصول الدين الأمريكي إلى 38 تريليون دولار في يناير 2026، وتواجه ”معضلة المدين“ حيث تتوقف البنوك المركزية عن شراء السندات الحكومية، مما يدفع المستثمرين الخاصين إلى طلب عوائد أعلى، مما يرفع أسعار الفائدة ويخنق النمو. ويتفاقم وضع الاقتصاد العالمي تحت وقع مزيج من الديون الهائلة، والحمائية التجارية، وتفتت النظام المالي، مما يهدد وشائج العولمة ويسرع التحول نحو نظام متعدد الأقطاب، مع صعود قوى مثل الهند وتكتل بريكس، وتراجع هيمنة الولايات المتحدة.

في سياق هذه التحولات العالمية، تبرز سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كعامل معزز للإرباك وبالتالي للمزيد من التفتت، إذ يسعى الرئيس ترمب للجمع بين أهداف متعارضة مغلقاً عينيه عما قد يؤدي ذلك للاقتصاد العالمي من تغييرات، وأهدافه هي ان يجمع بين دولار ضعيف وتضخم منخفض وفائدة منخفضة! وهي أهداف متناقضة جوهرياً؛ فالدولار الضعيف يرفع تكلفة الواردات ويزيد التضخم، بينما الرسوم الجمركية الواسعة النطاق ترفع الأسعار أيضاً، مما يولد تقلبات في أسعار الصرف وتوترات تجارية وعدم يقين يضر بالاستثمار العالمي، ولا أجد وصفاً لهذا الأسلوب سوى وصفهِ بنهج الاقتصاد الفوضوي، حيث يُقوض الثقة في الولايات المتحدة كقائد للنظام الاقتصادي، مما يعزز التعددية القطبية غير المنضبطة ويجعل الأسواق الناشئة أكثر عرضة للصدمات.

كيف تتعامل السعودية مع التحديات المستجدة؟ منذ إطلاق رؤية 2030 في 2016، تضاعف الناتج المحلي الإجمالي من حوالي «2.6 تريليون ريال» في 2016 إلى «4.7 تريليون ريال» بنهاية 2024، مع توقعات بنمو إيجابي مستمر في 2025 «حوالي 4.4% لعام 2025 ككل، و 4.6% متوقع في 2026»، مدفوعاً بشكل أساسي بنمو القطاع غير النفطي الذي يساهم الآن بنسبة 57 بالمائة من الناتج المحلي، نمو القطاع غير النفطي بلغ متوسطاً متماسكاً «حوالي 4-5 سنوياً في السنوات الأخيرة»، مدعوماً بالاستهلاك الخاص والاستثمار الخاص غير النفطي «نمو 6.3 بالمائة في 2024»، بالإضافة إلى صافي الصادرات غير النفطية التي ارتفعت بشكل ملحوظ، مع مساهمة متزايدة من السياحة والخدمات. كما شهدت سوق العمل تحولاً كبيراً، حيث انخفض معدل البطالة بين السعوديين من 12.3 بالمائة في 2016 إلى 6.8 بالمائة في الربع الثاني 2025 «و 7.5 بالمائة في الربع الثالث 2025»، محققةً الهدف الأصلي للرؤية «7 بالمائة»، مع توقعات بمزيد من الانخفاض بحلول 2030. وارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي من *نحو 40 بالمائة في 2016 إلى نحو 50 بالمائة في 2024-2025 «مع هدف 65% بحلول 2030»، ليصبح المحرك الرئيسي للنمو والتوظيف، مدعوماً بإصلاحات بيئة الأعمال والاستثمار. كما ارتفعت الإيرادات غير النفطية بأكثر من ضعف منذ 2016-2017»، مُساهمةً في تنويع الميزانية وتعزيز الاستدامة المالية رغم تقلبات أسعار النفط.

وشأنها شأن الدول الناشئة تواجه المملكة نصيبها من التحديات الجيو - سياسية والجيو - اقتصادية، ورغم ذلك يواصل الاقتصاد السعودي بإصرار وفِطنة الإبحار لتجاوز التحديات تحديات أبرزها استمرار الاعتماد على النفط مع سعر تعادل مالي يقدر بحوالي 90 دولاراً للبرميل مقابل توقعات أسعار أقل «في بحر 60 دولار» في 2026، إلى جانب إعادة ترتيب أولويات المشاريع العملاقة لضمان الاستدامة المالية، التي تتطلب ضبط العجز المزدوج في الحساب الجاري والمالي، والتحدي الديموغرافي الناتج عن انخفاض المواليد الذي يعني ضيق قاعدة الهرم السكاني ويهدد في المدى الطويل عرض القوى العاملة المواطنة. رغم ذلك، يتقدم التنويع غير النفطي بقوة في قطاعات مثل السياحة والترفيه واللوجستيات والتقنية المالية، مدعوماً بتدفقات استثمار أجنبي مباشر قياسية بلغ اجماليها التراكمي 1.05 تريليون ريال حتى نهاية 2025، مع أهداف طموحة تصل إلى 388 مليار ريال سنوياً بحلول 2030 وفق مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للاستثمار.

وللتخفيف من وقع التحديات، توظف السعودية استراتيجيات ”الصمود الاقتصادي“ بشكل منهجي ضمن إطار رؤية 2030 لمواجهة المخاطر الجيو - اقتصادية المتزايدة في 2026، الممثلةً في الحمائية التجارية، واضطرابات سلاسل الإمداد، وتقلبات أسعار الطاقة والمعادن الحرجة، وتباطؤ النمو العالمي، بالعمل على:

1. تسريع عجلة التنويع الاقتصادي بعيداً عن الاعتماد على النفط، عبر الاستثمار في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية مما يقلل من التعرض لتقلبات أسعار النفط والصدمات الجيوسياسية المتعلقة بالطاقة.

2. تعزيز جذب الاستثمار الأجنبي المباشر كأداة رئيسية لتعزيز المرونة، يتم ذلك عبر إصلاحات بيئة الأعمال، فتح الأسواق المالية للمستثمرين الأجانب، مبادرات مثل ”استثمر في السعودية“، وجذب المقرات الإقليمية للشركات العالمية، بالإضافة إلى مناطق اقتصادية خاصة، مما يساعد في تنويع مصادر التمويل وتقليل الاعتماد على التمويل الحكومي أو النفطي.

3. إعادة هيكلة وإعادة ترتيب أولويات المشاريع العملاقة** «Giga-Projects» مثل نيوم، لتحسين الكفاءة التنفيذية، تخفيف الضغط على صندوق الاستثمارات العامة، وتعزيز الانضباط المالي، مع نقل بعض الأصول إلى جهات متخصصة «مثل أرامكو أو وزارة الرياضة» وتأجيل مشاريع أخرى. هذا النهج المتعايش مع متغيرات الواقع يعكس نضج السياسة الاقتصادية، حيث يركز على تجاوز ”المصدات“، واستدامة تحقيق العوائد بتخفيف التكاليف حفاظاً على معدل العائد الداخلي من التآكل، وخلق فرص عمل، وجذب استثمارات أجنبية دون مخاطر إفراط في الإنفاق، مع التركيز على أحداث عالمية تعتبر مكتسبات وطنية من وزن إكسبو 2030 وكأس العالم 2034.4. الحفاظ على احتياطيات تساند الاستقرار مالي، ويتجسد ذلك في احتياطيات تغطي أكثر من 11 شهراً من المدفوعات الخارجية، وصافي أصول أجنبية سيادية مرتفعة «حوالي 41 بالمائة من الناتج المحلي»، بالإضافة إلى سياسات مالية مرنة تقلل العجز تدريجياً وتحافظ على تصنيف سيادي ائتماني مرتفع،

5. اتباع دبلوماسية اقتصادية متزنة ومتوازنة تحافظ على علاقات استراتيجية مع القوى الكبرى «الولايات المتحدة، الصين، أوروبا»، مما يمنحها مرونة في مواجهة الحمائية والتنافس الجيو - اقتصادي، مع تعزيز التعاون الإقليمي داخل مجلس التعاون الخليجي ومع دول أخرى لتوسيع الأسواق وتقليل الاعتماد على نقاط الاختناق.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى