حين نثق بالخبراء في كل شيء… فلماذا نتردّد في أهل العلم بالدين؟
في حياتنا اليومية نسير بمنطقٍ واضح لا يختلف عليه اثنان.
إذا مرضنا قصدنا الطبيب، لأننا نعلم أن أجسادنا تحتاج إلى معرفةٍ متخصصة لا نملكها. وإذا أردنا بناء بيتٍ جميلٍ آمن، استعنا بالمهندس، لأنه أدرى بالتصميم والأساسات. وإذا احتجنا ثوبًا متقنًا، بحثنا عن أمهر الخياطين، لأن الجودة لا تأتي بالاجتهاد العشوائي.
نحن في شؤوننا المادية لا نقبل بالتجربة والخطأ، ولا نغامر بأنفسنا، ولا نقول: «نحن أحرار، نفعل كما نشاء».
بل نسأل أهل الاختصاص، ونطمئن لرأيهم، ونثق بخبرتهم.
لكن المفارقة المؤلمة تظهر حين يصل الأمر إلى الدين، إلى أخطر جانب في حياة الإنسان، إلى ما يتعلّق بمصيره، وأخلاقه، وروحه، وآخرته، فإذا بالبعض يتغيّر منطقه تمامًا.
فبدل أن يبحث عن العالم، يسخر من العالم، وبدل أن يحترم المتديّن، يستهزئ به، وبدل أن يتواضع لطلب الهداية، يرفع شعار «الحرية المطلقة».
ما الذي يجعل الإنسان يثق بالطبيب في جسده، ولا يثق بالعالم في دينه؟
أليس الدين أعظم شأنًا من الجسد؟ فالمرض الجسدي مؤقّت، أمّا الانحراف القيمي والروحي فقد يلازم الإنسان عمرًا كاملًا.
نحن نخاف على بيتٍ من خللٍ في الأساسات، لكننا لا نخاف على حياتنا من خللٍ في المبادئ!
نحرص على ثوبٍ متقن الخياطة، لكن لا نحرص على سلوكٍ مستقيم أو عبادةٍ صحيحة!
هذه المفارقة ليست مشكلة في الدين، بل في ترتيب الأولويات.
الدين ليس شعورًا عامًا فقط، ولا نوايا طيبة فحسب.
الدين علمٌ وفقهٌ وفهمٌ دقيق للنصوص، ومعرفة بالأحكام، وتمييز بين الصحيح والخاطئ.
كما أن الطب علمٌ لا يُؤخذ من التجارب الشخصية، كذلك الدين لا يُؤخذ من المزاج والرأي الفردي.
فالعالم الديني درس سنوات طويلة، وفهم النصوص، وعرف المقاصد، وميّز بين الصحيح والسقيم، فهو في الدين كحال الطبيب في الطب، والمهندس في البناء.
فكيف نقبل الاختصاص هناك، ونرفضه هنا؟
يظن بعض الناس أن الرجوع للعالم الديني نوعٌ من «التبعية» أو «تقييد الحرية».
لكن الحقيقة أن الإنسان في كل جوانب حياته يتبع الخبراء.
فهل نقول إن المريض الذي يستمع للطبيب فقد حريته؟
أو إن من يستشير المهندس صار تابعًا؟
الاستشارة ليست ضعفًا، بل وعيٌ بالحدود.
والرجوع لأهل العلم ليس إلغاءً للعقل، بل استخدامٌ صحيح له.
العقل الحقيقي يقول: إذا لم أعلم… أسأل.
أما تجاهل المختصين بدعوى الاستقلال، فهو ليس حرية، بل مغامرة غير محسوبة.
المؤلم أن بعض الناس لا يكتفون بالإهمال، بل يسخرون من الملتزمين، ويصفونهم بالتشدد أو التعقيد، ويتهكمون على العلماء.
وكأن الالتزام صار عيبًا، والوقار صار تخلّفًا، والتدين صار مادة للسخرية!
وهذه الظاهرة ليست دليل قوة فكرية، بل غالبًا ما تكون دفاعًا نفسيًا؛ فالإنسان حين يعجز عن مجاراة الالتزام، يسهل عليه أن يستهزئ به.
السخرية لا تُسقط الحقيقة، بل تكشف عن ضيق الصدر بها.
لو تأمّلنا قليلًا، لوجدنا أن الدين هو الذي يضبط أخلاقنا، ويوجّه سلوكنا، ويحدد الحلال والحرام، ويصنع معنى الحياة.
فكيف يكون هذا كله أمرًا ثانويًا؟
إن الإنسان الذي يعتني بتفاصيل جسده وبيته وملبسه، ثم يهمل دينه، يشبه من يزيّن الواجهة ويترك الأساس يتصدّع.
كما نبحث عن الطبيب لأجسادنا، وعن المهندس لبيوتنا، وعن الخياط لملابسنا،ً فنحن أحوج ما نكون إلى العلماء لديننا.
لأن الدين ليس مسألة هامشية، بل هو البوصلة التي توجّه الحياة كلها.
والعاقل لا يأنف من سؤال من هو أعلم منه، بل يأنف من أن يعيش حياته بلا هدى.
فالرجوع لأهل العلم ليس تقييدًا للعقل، بل حماية له، وليس ضعفًا، بل نضجًا، وليس فقدانًا للحرية، بل طريقًا إلى الحرية الحقيقية… حرية القلب من الضياع.
















