آخر تحديث: 6 / 2 / 2026م - 1:05 ص

قراءة تحليلية في خطاب الجمعة للشيخ الصفّار

إبراهيم البحراني *

لستُ هنا بصدد الحديث عن سماحة الشيخ حسن الصفّار بوصفه قامةً علميةً معروفة، فالقلم يعجز عن الإحاطة بشخصه أو وصف علمه ومكانته، وهناك من هم أهلُ اختصاصٍ أقدر على رسم ملامح هذه القامة وتلوينها بما يليق بها لتظهر للناس بجمالها ورونقها الحقيقي.

إنما أتوقف هنا عند كلمة الجمعة وخطابه الديني الأسبوعي، ذلك الخطاب الذي يكشف منذ لحظاته الأولى عن جهدٍ واضح، وتحضيرٍ عميق، ومواكبةٍ دقيقة لما يدور من أحداث وطنية ودينية وإنسانية. خطابٌ لا يُلقى ارتجالًا، بل يُبنى على ثقافةٍ واسعة واطلاعٍ كبير، يحرص فيه سماحة الشيخ على أدقّ التفاصيل.

نراه يتناول في خطابه موضوعات قد يظنها البعض هامشية، لكنها في الحقيقة تمسّ صميم الوعي المجتمعي؛ فيتحدث مرةً عن يوم المرأة، وأخرى عن يوم الطفل، وثالثة عن المناسبات الوطنية والدينية المرتبطة بسيرة النبي وأهل بيته ، فلا تمر مناسبة وفاة إمام أو ذكرى استشهاده إلا وله حديث عنها بما يناسبها من ذكرى.

أما تميّزه، فيكمن في أسلوبه الممتع القريب من الناس، القادر على إيصال الفكرة بعمقٍ دون تعقيد، وببساطةٍ حتى وكأنّ الملتقى يستمع إلى محاضرة أكاديمية محشوة بالحصائيات والأعداد الدقيقة، ليبقى خطابه الأسبوعي متجدّدًا، حيًّا، ومتصلاً بنبض المجتمع وهمومه.

فتعيش معه أحداث الساعة، سواء العالمية أو المحلية التي تخص شؤون الأمة وقضاياها، باهتمام واضح منه لنعيش معه تلك اللحظة بأحداثها الدقيقة.

التفقه في الدين

تكاد لا تخلو خطبةُ الجمعة من إيضاح بعض المسائل الفقهية، في إطار سعيها لتثقيف أفراد المجتمع تثقيفًا دينيًا واعيًا، وذلك من خلال ربط موضوع الخطبة ربطًا ذكيًا ومنسجمًا بتبيين الأحكام الشرعية المرتبطة بحياة الناس اليومية، بما يعزز فهمهم للدين ويقرّبه إلى واقعهم العملي.

وقد جاء هذا المنهج منسجمًا مع توجيه القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة: آية 122].

كما أكّد النبي ﷺ أهمية بيان الأحكام الشرعية بقوله:

«من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْهُ في الدين».

بهذا الأسلوب، تتحول خطبة الجمعة من مجرد وعظٍ عام إلى منبرٍ تربويٍّ يرسّخ الفهم الصحيح للدين، ويُسهم في بناء مجتمعٍ أكثر وعيًا والتزامًا.

اللفتة الأبوية لذوي الاحتياجات الخاصة

لقد تميّزت خطبةُ الجمعة بلفتةٍ أبويةٍ خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة، وهي لفتةٌ قلّما نجدها في مساجدنا، حيث تمّ توفير مترجم لغة الإشارة، في خطوةٍ إنسانيةٍ واعية تهدف إلى دمج هذه الفئة في المجتمع، وعدم عزلها عن الخطاب الديني.

وجاءت هذه المبادرة لتؤكد حرص الخطاب الديني على احتواء الجميع، وتثقيف ذوي الاحتياجات الخاصة وتعليمهم، وإيصال مضامين الخطب والتوجيهات الصادرة عن سماحة الشيخ إليهم، ليكونوا شركاء فاعلين في الوعي الديني والمجتمعي.

دور المرأة في خطابه الديني

ولا ننسى الاهتمام بالمرأة في خطاب الشيخ، فقلّما تخلو خطبه من التطرّق إلى دور المرأة في المجتمع، والدور الرائد الذي تقوم به، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من هذا المجتمع. وقد حرص الخطاب على إبراز مكانتها ومسؤوليتها، إيمانًا بأثرها الكبير في بناء الأسرة والمجتمع.

كما خُصّص لها ركنٌ خاص في المسجد، حالها حال الرجل، لتستفيد من الإرشاد والتثقيف الديني، وتكون حاضرة في المشهد الديني الواعي، مشاركةً في الفهم والبناء والمسؤولية.

مشهد أبوي وإنساني بعد الصلاة

هذه القامة العلمية تجده متواضعًا، هادئًا، محبوبًا لدى الجميع، ويتجلّى هذا الشعور واضحًا من خلال الحضور الغفير من المصلّين الذين يفدون لينهلوا من فيض علمه، حفظه الله. فتلاحظ بعد الصلاة انقسام المصلّين إلى صفّين عن يمينه وشماله، يسلّمون عليه ويستفسرون عن أمور دينهم وآخرتهم.

وكعادته، يقف واقفًا على مصلاه، يسلّم على المصلين واحدًا واحدًا، رغم كِبر سنّه وظروفه الصحية، في مشهدٍ يعكس تواضعه وقربه الأبوي من الناس.

”عيشوا تجربة الجمعة“

إن الحضور إلى صلاة الجمعة خلف سماحة الشيخ، حفظه الله، ليس فقط لتأدية الشعيرة، بل هو حضور إلى مدرسة علمية متكاملة، وأنك تشرب من نبعٍ لا ينضب، فهو يعيشك اللحظة ويشبعك بالغذاء الروحي والنفسي دون أن تملّ من الاستماع أو تتعب من الجلوس لتشرب هذا الماء العذب. فهو يحسّ بمشاكل مجتمعه ويقدّم الحلول بأسلوب ذكي وجميل، فتشعر وأنت بجواره أنّ صلاته وخطابه يغمران قلبك بالطمأنينة والرحمة، وتستشعر معنى الروحانية الحقيقية.

‏‏‏مختص بأمراض الحيوانات
موظف /أمانة المنطقة الشرقية