وكبرت التفاصيل
بتفاصيل صغيرة جدًا بدأ كل شيء.
تفاصيل نمر بها ولا نلتفت إليها ثم نفاجأ بعد سنوات أنها صارت بابًا واسعًا دخلت منه أعباء العمر كلها. شيء إضافي على أمر جاهز ومكتمل وعقد أثقل من لحظة المناسبة وصورة لا تعني أحدًا بقدر ما تعني العيون التي ستراها.
ومن هنا كبرت التفاصيل حتى فقدت حجمها الطبيعي وتحولت من مكمّل لطيف سعيد إلى أساس صارم
ومن زينة وبهجة وفرح لحياة قادمة إلى شرط يرهق وربما إلى ألم يأتي لاحقًا.
لم نعد نختار الأشياء لأننا نحبها فقط.
نعم فقد دخل العرف شريكًا ودخل الناس بعيونهم ونظراتهم. لم نعد نسأل: هل نحتاج هذا؟ أم ماذا سيقال؟ وهل سنحسب مقصرين إن لم نفعل ذلك؟ وهكذا تحول الأمر إلى عرف يمارس أكثر مما يناقش. صار البوفيه في زواجاتنا أكبر من الحاجة وصارت المناسبات ساحات مقارنة ومزايدة! وثقلًا على بعض الناس أكثر من كونها يوم فرح. أنا وأنت نراقب الآخرين ونتظاهر بالبساطة، بينما نحصي في دواخلنا ما قُدّم من مهر وشبكة وحفلة عقد وملابس وهدايا ومكسرات وحلويات وشوكولاتة إلى آخره … أشياء تتراكم حتى يضيع المعنى بينها.
في الزواج حيث يفترض أن تبدأ الحكاية بخطوتين دافئتين على سنة الله ورسوله تغيّر الإيقاع.
مهر يتضخم لأنه العرف وشبكة ترهق بما تظهره وذهب صار حديث الناس قبل أن يكون زينة للفرح.
ارتفاع الذهب ليس المشكلة.
وتغير الأحوال ليس المشكلة.
المشكلة في إصرارنا على إبقاء الشروط ثابتة ونزيدها تعقيدًا بدلا من تبسيطها وكأن العالم لم يتغير وكأن الحياة الاقتصادية على حالها وكأن الجيوب ما زالت تمتلئ بسهولة وكأن الدَّين لا يظهر بعد انتهاء الزفاف ولا وجود له.
الغني يفعل ذلك وهذا مفهوم فقدرته جزء من واقعه.
لكن المأساة حين يتحول ذلك إلى تقليد أعمى وحين يشعر من هو على قدّ حاله أن عليه أن يفعل أكثر من قدرته فقط لئلا يقال عنه شيء. فيستدين ليُرضي تلك الفكرة ويتحمل متطلبات تكسر ظهره ويُراكم القلق والهم بداخله ليحفظ صورة العرف والأسرة ومن ثم يجلس بعد أشهر يعد الأقساط والديون ويتساءل: كيف وصلنا إلى هنا؟ وكأن أحدًا دفعه بينما الحقيقة أنه كان يدفع نفسه بنفسه وخطوة بعد خطوة خلف تفاصيل لم تكن يومًا ضرورة. وهنا يصبح هذا أحد أسباب العزوف عن الزواج وأحد أسباب الانفصال السريع - لا قدّر الله - حين تبدأ الحياة مثقلة قبل أن تستقر.
الأدهى أن هذه التفاصيل لا تتوقف عند الزواج.
إنها تتسلل إلى كل شيء إلى البيت والسيارة واللباس والهدايا وحتى الكلام. صار الحديث عن البساطة ترفًا وبينما العيش بها يعد تقصيرًا. صرنا ندير بيوتنا بعيون الآخرين ونرتب حياتنا كما لو كانت تقول إننا بخير، بينما الواقع قد يكون مختلفًا تمامًا. وإذا قيل: خففوا جاء الرد جاهزًا: هكذا الناس وهكذا العرف وإن لم يكن قادرًا فلماذا تزوج؟ وكأن الناس والعرف قوة لا تُناقَش.
الحل لا يبدأ بقرار جماعي ولا بشعار كبير ولا بمقالة تُقرأ كهذه ثم تُنسى.
المسألة تحتاج جرأة فردية بادئة. أن يجرؤ أحدهم على كسر الحلقة بهدوء وأن يقدم فرحًا بسيطًا في شكله قويًا في معناه وزواجًا بلا ديون وهذا هو الأهم وبيتًا بلا سباق باكسسواراته يسابق الآخرين به. وأن يُعاد تعريف الكفاية بحكمة لا بوصفها عجزًا. وأن يعود الذهب زينة تزين الزوجة والأهل وتُفرح القلب ولو بالقليل لا عبئًا يكسر الظهر وأن يعود المهر تكريمًا لا دَينًا مفتوحًا.
نحتاج بكل صدق ولو ضمنيًا إلى اتفاق وبكل هدوء وحكمة وهو أن التفاصيل خلقت لتخدم الحياة لا لتلتهمها وأن الإكسسوارات المؤقتة وجدت لتُكمل لا لتقود حياتنا وأن القشور مهما بدت جميلة لا يجوز أن تُعامل كجسد. نحتاج أن نضحك قليلًا على أنفسنا على أشياء لم تستخدم إلا في الصور وعلى قطّع وأشياء نلمّعها أكثر مما نلمّع قلوبنا ثم نعود فنختار بوعي أبسط وأصدق.
حينها فقط قد نكتشف أن الحياة كانت اخف وأيسر مما أثقلناها به وأن البيوت لا تخربها قلة الأشياء وإنما وفرتها حين تُفرض قبل أوانها وأن الزواج لا يعزف عنه الناس خوفًا من الشراكة والسكن بل هربًا من شروط نسيت معناها.
التفاصيل الصغيرة جميلة… نعم لكن حين نعيدها إلى حجمها لا حين نتركها تتضخم حتى تصير نحن وبعرف آن له أن يراجع.
















