آخر تحديث: 6 / 2 / 2026م - 1:05 ص

أبي والليت

سراج علي أبو السعود *

يُقال وأظن ذلك صحيحا: في طفولته يرى الصغير أباه أعظم وأقوى رجل في الدنيا. ثم لا يلبث أن يكبر قليلًا فيتذمّر من قيوده وأوامره. وحين يصبح شابًا يحدّث نفسه بأن أباه لا يفهم تغيّر الزمن، ولا يرى من الدنيا إلا: «طفوا الليتات وطفوا المكيف». لكن مع مرور السنين يبدأ في إدراك أن كثيرًا مما كان يراه تضييقًا لم يكن إلا حرصًا، وأن صرامة الأب وجهٌ آخر للمحبة، وحتى تلك الفظاظة التي تظهر أحيانًا ليست إلا لغة قلقٍ وخوف. ومع النضج يعود الصوت الداخلي ليهمس: ما أعظمك يا أبي، وما أصبرك على أوجاع الحياة من أجلنا. وللأم عظمتها وتضحياتها العظيمة أيضًا التي لا يمكن ان تنكر، غير أن هذا حديث عن وجهٍ آخر من الحب اسمه الأب.

لستُ متأكدًا إن كانت هذه هي المرة الأولى التي أشهد فيها مديرًا يشتم موظفًا بأعلى صوته أمام جميع زملائه. كان الموظف قويَّ البنية، قادرًا - لو شاء - على تلقين المدير علقةً ساخنة، ومع ذلك التزم الصمت، وملامحه مملوءة بالألم. انتهى المشهد، وما لبث أن بادره أحد زملائه بالسؤال: لماذا التزمت الصمت دون أدنى ردة فعل وأنت مطرق الرأس؟! فجاء الجواب صارخًا من أعماق القلب: لأن لدي زوجةً وأطفالًا. إنهم ينتظرون الكثير من أسباب السعادة والعيش الكريم. لو رددتُ عليه وفصلني من عملي، فمن يصرف على زوجتي وأطفالي؟ إن كثيرًا من الآباء - أيها الشاب والفتاة - يُهانون ويُظلمون ويتجرّعون الألم من أجل بسمتكم وسعادتكم. تلك البسمة سبقتها سلسلة طويلة من بيئات عملٍ ظالمة، مُنهِكة، وعدائية، مليئة بأسباب الحزن والوجع. لذا فلتعلموا بأي ثمنٍ تبتسموا الآن وتسعدوا، وبأي نظرةٍ ينبغي أن تنظروا إلى وجه آبائكم.

ما أرقّ ما قاله الشاعر السوري حسين العبدالله:

لم يَحنِ ظهرَ أبي ما كانَ يَحمِلُهُ
لكنْ ليحملني من أجليَ انحدبا

وكنتُ أحجبُ عن نفسي مطالبها
فكانَ يكشفُ عمّا أشتهي الحُجُبا

أغفو وأمنيتي سرٌّ ينامُ معي
أصحو، وإذ بأبي ما رُمتُ قد جلبا

فلا تبتئس يا بُنيّ إن أزعجك أبوك يومًا وقال: طفي الليت. ولا تتذمّر حين يسألك عمّا تريد أن تكون عليه غدًا، ولماذا لا تختار طريقًا آخر. لا تنتظر أن تصبح أبًا لتفهم؛ فأنت اليوم قطعةٌ من قلب أبيك، يتألّم لألمها ويفرح لسعادتها. واعلموا - أيها الأبناء - أن خلف كل بسمةٍ لكم لحظاتِ وجعٍ كثيرة عاشها آباؤكم بصمت. كما أن وراء طمأنينتكم وسكونكم تضحياتٍ عظيمةً صامتة لأمهاتكم لا تقلّ شأنًا ولا أثرًا.