كيف نصالح بين التخلي والألفة؟!
ترعبني فكرة التخلي عن الأشياء التي ألفتها في حياتي، الأشياء التي تكون قريبة من نظرك، من ملمس يديك، من حضنك، من أنفاسك. فالتخلي هو أن ترى نفسك فجأة وقد قفزتَ من سيارة مسرعة دون تخطيط مسبق وكأن ما يدفعك إلى عمل كهذا لن تجد له تفسيرا، حتى لو اجتهدت في تبريره طوال أيامك القادمة من حياتك.
جزء من تبريرك تحيله في بعض الأحيان إلى تقلبات المزاج، يعجبك كثيرا مثل هذا التبرير لأنه يريحك من عناء اللوم والعتب: تواعد زوجتك وأولادك بالخروج في نزهة بحماس منقطع النظير، وبعد أن يتحول البيت خلية نحل استعداداً للخروج، فجأة ينتابك إحساس برغبة جارفة بالبقاء في المنزل، تحاول أن تعتذر للعائلة بأعذار من قبيل صداع في الرأس أو ألم في المعدة أو موعد مع صديق جلبته من الذاكرة. تظل وحيدا في المنزل ولا تشفع محاولاتهم لثنيك عن قرارك.
لكنّ فكرة التخلي كما هي تدور في ذهنك لا تتطابق مع مثل هذا الموقف الذي تربطه بمثل هذه التبريرات، وأنت تعلم في دخيلة نفسك أن تقلبات المزاج هو جزء من شخصيتك لا يفارقك مهما ألبسته تبريرا منطقيا كي ترضي ضميرك.
التخلي هو أن تعقد صداقة وثيقة مع الفراش الذي تنام عليه طوال سنين عديدة، يحتضن جسدك وأنت تحضن لياليه ونهاراته، يحتفظ بسجل نومك ولا يكشف عن أسرار ما كُتب فيه. عندما تبتعد عنه بسبب أسفارك المتعددة، لأكثر من ليلة لا تنام كما يجب، يضرب القلق أطنابك، بعض الأسباب تحيلها إلى تغّير الأمكنة. لكن ثمة سبّب أعمق، الفراش ليس فراشك الذي ألفته وتعودت عليه.
يا لها من ألفة لا فكاك منها، نحن محاطون بها ضمن تفاصيل حياتنا اليومية وكأن الذي يفسر السلوك الذي نتعاطاه مع الآخرين «الأهل والأقارب والأصدقاء وعموم الناس» يجد مبتغاه في الطريقة التي تتشكل منها تلك الألفة التي تقوم بيننا وبين الأشياء من حولنا. فهي أشبه بكائنات تتنفس مثلما هو الإنسان لكن الفرق في حالة الكائنات هو أنك إزاءها دائما ما تحاول أن تجهد مخيلتك كي تفسر ما توحيه لك هذه الأشياء من حميمية لا تبوح به سوى إلى أعماق أعماقك. وإذا ما كانت مخيلتك تعمل بجد ستجد حبل الألفة متينا بما يكفي كي تنعكس هذه الألفة على علاقتك بالناس من حولك.
لكن سؤال التخلي يلح كثيرا وهو الوجه الآخر من ألفتك، يتصارع الاثنان طالما الحياة قائمة، وطالما من طبيعتها الفقد وتغلب أيامها وأحوالها.
التخلي اختبار لهذه الألفة. أتذكر أنني لسنين طويلة كنت احتفظ بقلم «رصاص»، كلما فتحت كتابا للقراءة يكون بين يدي للتعقيب والملاحظات، لم يفارقني، وكنت حريصا أن أبقيه تحت أنظاري حتى لا أفقده، أصبحت لا حقا لا أستطيع أن أفتح كتابا إلا وهذا القلم بين يدي. جربت أن استبدله بقلم رصاص آخر، لكن سرعان ما اكتشفت أن ذهني وتركيزي يقلان كثيرا طالما أني افتقد ذاك القلم. هو ليس قلما وحسب، هو تاريخ أعطى نفسه حق التواجد بقربك، وبالتالي أصبح جزءا من ذاكرتك ومن شخصيتك. قد تنتهي صلاحية الأشياء من حولك.
لكن حياتها لا تمضي وتتلاشى، بل تتحول إلى دوافع ورغبات إما أن تكون محسوسة، فتتحول إلى شغف تصنع من المرء شيئا مختلفا مثلما تصنع أدوات الرسم التي يألفها يد الصغير وتكبر معه، فنانا عظيما وكبيرا، وإما أن تكون مغروسة في الوجدان، فتتحول إلى هوس، فتتحول ألفة الأشياء التي تربينا عليها وعايشناها في أزمنة مختلفة إلى تراث مادي حي، نعيد ابتكاره بالقدر يبتكرنا ويأخذ مساحة من حياتنا.
ويبقى السؤال ماثلا في الذهن كيف نصالح بين الألفة والتخلي، وهل بالإمكان ذلك طالما كنا لا نستطيع العزلة، ليست العزلة التي ترتبط بالإنسان، ربما هذه حاصلة وموجودة، لكن الأصعب هي العزلة عن الأشياء الأكثر حميمة في الحياة؟!
















