عندما يرحل العلماء
لبرهةٍ من الوقت ينتابُ المرء وقلمَه شعورٌ يميل أحيانًا للسكون والصمت والراحة والهدوء، وربما يتجه نحو التراخي والركود وانخفاض النشاط الاجتماعي قليلًا، وربما يتجه نحو التراخي والركود وانخفاض النشاط الاجتماعي قليلًا - إن صح هذا القول - ويمكن إيعاز ذلك المنطق لأمور حياتية عديدة وظواهر ملحة تجعل من تلك الطاقة التشاركية تجاه الأحداث المحيطة بنا وبمن حولنا وما ينتج عنها من ردود أفعال اعتيادية ومختلفة وقد تكون في بعض الفترات معطلة، وتبعدنا إلى حدٍ ما عن المشاركة الوجدانية لما يقع داخل المنظومة التي نحن جزءٌ منها، نتأثر بها تارةً ونؤثر فيها تارة أخرى، وهذه حالة عفوية بطبيعة الحال.
وفي وقتٍ محددٍ سرعانَ ما تتحول المواقف إلى ظروف تتبدل فيها المعطيات والأوضاع، مما يستدعي بعض الشخوص للاندماج والهرولة لما هو واقع من مؤشرات وأحداث عامة غاية في الأهمية، لنرى أنفسنا مجبرين لا مخيرين لاتخاذ قرار نحو المشاركة والمساهمة يليق بنوع الحدث، لنسجل ما يحاكي مشاعرنا وما تمليه علينا تربيتنا وسلوكنا من واجبات أخلاقية وإنسانية حيال ما نلمسه من مستجدات محيطة بنا، لا مفر من الانضمام لها والتفاعل معها، لنقدم ما يمكن تقديمه إزاء ما هو طارئ في إطار ما نراه ونعايشه من تقلبات، لا مفر ولا مناص من مواجهتها، فهي إما بحبوحةٌ وسعة ورخاء، وإما شدةٌ وبأسٌ وبلاء.
فقد شهدت منطقتنا في الأيام القليلة المنصرمة، والإشارة هنا تعود للأحساء والقطيف قاطبة، مصابًا جللًا وفاجعة أليمة، وهي رحيل سماحة العلامة الجليل حجة الإسلام والمسلمين السيد علي الناصر السلمان قدّس سرّه، أحد أبرز علمائنا الكبار، والذي كان له من الأعمال والأدوار الدينية والاجتماعية، وكذلك الإنسانية، ما لا نستطيع في هذه العجالة أن نحصي ونصف تلك المسيرة الطويلة المليئة والزاخرة بالمنجزات العالية والنتائج العظيمة والعطاءات المثمرة، لا سيما تكريس جلّ عمره الشريف في خدمة الأوساط العلمية، والدفع نحو كل ما من شأنه الارتقاء ورفع المستوى التوعوي والأخلاقي، بهدف الوصول لنتائج أكثر جودة تلبي جميع الطموحات والأهداف التي من خلالها نصل للمرتبة والمكانة المنشودة، ولما هو مبتغى لكل المبادئ والقيم والأعراف السامية التي تتوافق والعقل البشري.
إن المتتبع لسيرة الراحل الكبير - رحمه الله - يرى جليًا، ومما لا يدع مجالًا للشك، أنّ سماحته كان عالمًا حكيمًا عارفًا بزمانه ومدافعًا غيورًا عن بلاده، وأن جميع المبادرات وكل ما قدمه لناسه ومجتمعه ووطنه من مجهودات ومساعٍ وإسهامات ومحاسن وأعمال فاضلة قل نظيرها في واقع الحال، بل يصعب ويتعذر على العامة من الناس إحصاؤها، لما لها من نتائج ناجعة ومآثر حميدة ومكارم أصيلة، توجت بمجملها بنهج غُلِّف بالرفعة والسمو، وظهر ذلك واضحًا من خلال أسلوبه المنعوت بالوسطية والاتزان والمحبة والاعتدال ولين الجانب، والكثير من الأوصاف السوية، وتجسّد ذلك من خلال خطبه ومواقفه وبياناته النيرة التي دائمًا ما كانت تصب تجاه ما يخدم البلاد والعباد.
في واقع الأمر، ومما لا يخفى علينا جميعًا، فإنه يُعَدُّ رحيل الصفوة والنخبة من الشخصيات الشامخة، والأذهان الوازنة، ورواد العلوم، وأرباب الثقافة والمعرفة والبصيرة خسارة جسيمة؛ لذلك لا نستطيع مهما عبّرنا عمّا يجولُ في أعماق خواطرنا بجمع القليل من كلمات المديح والثناء والإشادة والإطراء، حتى تقف الأقلام عاجزة خجلة من هول المصاب، ومطأطئة واهنة عن وصف النائبات، ومنها فَقْدِنا رجلًا متواضعًا كريمًا عظيمًا مبجلًا، نقش بخصاله النبيلة وتواضعه الجمّ سيرةً متعاظمة مشرفة، وحياة ملؤها عمل دؤوب وتفانٍ وإخلاص، فقد كان المغفور له - بإذن الله تعالى - صاحب أيادٍ بيضاء، وروح معطاءة، ونفس نقية يسعى دومًا للإحسان وجلب المنافع والإيثار، وكان ذلك منهجه طيلة خدمته لدينه ووطنه حتى وافته المنية وانتقل لجوار ربه، تاركًا إرثًا ثمينًا هائلًا، ومثقلًا بالتقدير والاحترام في قلوب كل من تعايش معه وعرفه وتأثر به من جماهير واسعة غفيرة.
وفي الختام نقول: اللهم ارفع درجته في أعلى عليين، واخلف على عقبه في الغابرين، وعندك نحتسبه يا رب العالمين، اللهم جافِ الأرض عن جنبيه، اللهم اغفر لنا وله يا رب العالمين، وأنزله منازل الصديقين والشهداء، ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]، اللهم اجزه عن الأمة خير الجزاء، واجعل علمه شافعًا له، واملأ قبره بالرضا والنور والفسحة والسرور، ولكافة علمائنا الماضين الأبرار نتضرع للمولى عز وجل بالرحمة والغفران والجنة والرضوان، وأن يجزيهم عن جميع المؤمنين والمؤمنات وافر الجزاء وعظيم الثواب وصالح الأعمال وأفضل الطاعات.
كما نسأله - تبارك وتعالى - أن يسكنهم الفردوس الأعلى من الجنان، وأن يحشرهم مع محمد وآله الطيبين الأطهار، ولا ننسى الباقين من مشايخنا وعلمائنا وخطبائنا الأجلاء، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، واحرسهم بعينك التي لا تنام، اللهم حُفّهم بلطفك وحنانك وعطفك، وسدّد على طريق الخير نهجهم وخطاهم، وأن يعمّ نفعهم أرجاء البلاد وعموم العباد، إنك سميع مجيب الدعاء، إنا لله وإنا إليه راجعون ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27-30].
















