بلاغة البديع بين الصنعة والخيال من التنظير البلاغي إلى الإبداع السردي
«أحلام مستغانمي نموذجًا»
ارتبط علم البديع في الدرس البلاغي العربي، منذ نشأته، بفكرة الصنعة اللغوية القائمة على تصنيف المحسّنات اللفظية والمعنوية وضبط حدودها الاصطلاحية. وقد أسهم هذا التصوّر في ترسيخ صورةٍ عن البديع بوصفه علمًا يُعنى بالزخرفة أكثر من العناية ببناء المعنى. غير أن تطوّر الأجناس الأدبية الحديثة، ولا سيما الرواية، أعاد طرح سؤال البديع من زاوية جمالية جديدة، تتجاوز حدود الصنعة إلى أفق الابتكار والخيال.
وانطلاقًا من هذه الجدلية، يسعى هذا المقال إلى مقاربة البديع بوصفه طاقة جمالية فاعلة في السرد الحديث، لا مجرّد حيلة أسلوبية، وذلك عبر الجمع بين الإطار النظري البلاغي والتحليل التطبيقي، مع اتخاذ تجربة أحلام مستغانمي نموذجًا دالًا على تحوّل البديع من الصناعة الواعية إلى الإبداع الحر.
نشأ علم البديع، كما هو معروف، مع محاولات الوصف الأولى للظواهر الجمالية في الكلام، لا سيما عند ابن المعتز في كتابه البديع، حيث كان الهدف رصد الأساليب المبتكرة في الشعر والكلام، دون أن تتحوّل إلى قواعد ملزمة. غير أن مسار البلاغة العربية، خاصة مع السكاكي ومن جاء بعده، اتجه إلى التقعيد والتصنيف، مما أضفى على البديع طابعًا صناعيًا صارمًا.
وقد نبّه عدد من النقّاد إلى مخاطر هذا التحوّل؛ إذ يرى عبد القاهر الجرجاني، وإن لم يفرد للبديع علمًا مستقلًا، أن القيمة الجمالية لا تكمن في المحسّن لذاته، بل في موقعه من النظم، حيث يقول:
”ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله“ - ”دلائل الإعجاز“.
من هذا المنطلق، يتبيّن أن الإشكال لا يكمن في البديع ذاته، بل في طريقة توظيفه:
فإن استُخدم بوصفه غايةً مستقلة، تحوّل إلى تكلّف.
وإن اندمج في النسيج الدلالي، أصبح أداة لتكثيف المعنى وبناء الرؤية.
مع تحوّل الكتابة السردية الحديثة نحو تعميق البعد النفسي والرمزي، تغيّرت وظيفة البديع. فلم يعد يظهر في صورة الجناس والطباق المصرّح بهما، بل اتخذ أشكالًا أكثر اندماجًا، مثل:
• التكرار الدلالي
• التوازي التركيبي
• المقابلات الرمزية الكبرى
• المفارقة الأسلوبية
وقد أشار صلاح فضل إلى هذا التحوّل بقوله إن البلاغة الحديثة ”لم تعد علم تحسين العبارة، بل علم إنتاج الدلالة داخل النص“ ”بلاغة الخطاب وعلم النص“.
وبذلك، أصبح البديع في الرواية جزءًا من آليات البناء السردي، لا عنصرًا خارجيًا ملحقًا به.
تُعدّ تجربة أحلام مستغانمي من أبرز التجارب السردية التي يتداخل فيها النَفَس الشعري مع البناء الروائي. فاللغة عندها ليست مجرّد وسيط حكائي، بل حقلًا دلاليًا مشحونًا بالإيقاع والتوتر الوجداني.
وتتجلّى ملامح البديع في كتابتها من خلال:
• المقابلة الدلالية: حب/فقد، وطن/منفى، ذاكرة/نسيان
• التكرار بوصفه إيقاعًا نفسيًا، لا إعادة شكلية
• المفارقة التي تعكس انقسام الذات بين الرغبة والواقع
• التماثل الصوتي الذي يخلق موسيقى داخلية للنص
هذه العناصر، وإن كانت قابلة للتوصيف البلاغي، فإنها لا تُستدعى بوصفها صنعة واعية، بل تنبع من طبيعة التجربة الشعورية نفسها.
في رواية ذاكرة الجسد، يتحوّل البديع إلى بنية شعورية شاملة. فالتكرار، مثلًا، لا يهدف إلى الإيقاع اللفظي فحسب، بل إلى تكريس الإحساس بالفقد والحنين، كما في تكرار مفردات: الجسد، الذاكرة، الألم، الغياب.
وتقوم الرواية على مقابلة رمزية كبرى بين:
• الجسد المعطوب
• والوطن الجريح
وهي مقابلة تتجاوز حدود المحسّن المعنوي، لتشكّل الهيكل العميق للنص. تقول مستغانمي:
”الوطن ليس مكانًا، بل ذاكرة… وكل ذاكرة معرضة للبتر“ - ”ذاكرة الجسد“.
هنا يتجلّى البديع بوصفه طريقة في التفكير قبل أن يكون طريقة في القول، إذ تتحوّل البلاغة إلى أداة لبناء الرؤية لا لتزيين العبارة.
تُعيد أحلام مستغانمي من خلال لغتها البديعية صياغة العلاقة بين البلاغة والذات الأنثوية. فبلاغتها لا تسعى إلى الإبهار التقني، بل إلى:
• تفجير الذاكرة الفردية والجماعية
• مساءلة الحب والخسارة
• فضح التمزّق بين الحلم والواقع
وهكذا، يصبح البديع عندها موقفًا إبداعيًا، لا مجرّد مهارة لغوية، وتنتقل البلاغة من الصنعة الواعية إلى الابتكار الحر.
يكشف هذا المقال أن البديع في السرد العربي الحديث لم يعد حبيس التصنيفات البلاغية التقليدية، بل أصبح جزءًا من آليات بناء النص الروائي.
فهو عند أحلام مستغانمي ليس زخرفة لفظية، بل لغة شعورية تُنتج المعنى وتبني الذاكرة وتُشكّل الرؤية.
وعليه، يمكن القول إن أجمل أشكال البديع هي تلك التي تتحقق في المنطقة الوسطى بين الصنعة والخيال، حيث تتوازن القاعدة مع الابتكار، والتقنية مع التجربة.
















