شبل علي وسند الصاحب «عليهما السلام»
من نافل القول إن البيئة هي المؤثر الثاني بعد الوراثة البيولوجية في الفرد، لذلك حث الدين على نقاء البيئة التي يعيش فيها الإنسان مهما كانت قدرة هذا المسلم على التكيف مع أجواء البيئات التي تُعَدّ نزولًا لا صعودًا له، إلا إذا كان بدور كما هو دور الرسل في هداية الأمم:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [سورة الكهف: 28].
الرسل - ومن سار على نهجهم - يتمتعون بحصانة بنوا صرحها باختيارهم وجدارتهم، فهم أهلًا لأدوار لا يمكن التصدي لها على أكمل وجه إلا لمن نشأ وترعرع في البيئة الصحيحة التي تهيئ لإخراج الماهرين المميزين اللائقين بذلك الدور.
في الزمن الذي وقعت فيه القلوب بِشِراك المادية - حتى غدا الأخ الغني بجواره أخوه أو أخته تحت خط الفقر ولا يرفّ له طرف أو يتحرك له نبض من أجله أو أجلها - في هكذا زمن، أقرب الناس لمعاونة المولى عجل الله فرجه الشريف على تزكية النفوس والعروج بها إلى ساحة الخلق المحمدي:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم: 4]،
﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة الأنفال: 62-63].
هم أشبال أمير المؤمنين
، الناهلون من معين حوزاته المباركة، خصوصًا أولئك الذين ارتدوا لباس السماحة والفضيلة المرصعة بالخلق الكريم.
بيئة الحوزة ورجالها - من المراجع العظام دام ظلهم الوارف ومن سار على هديهم - قادرة على تحصين المجتمع في هذه المنعطفات الحرجة أكثر من غيرهم من العلماء في المجالات الأخرى. فهؤلاء أهل التودد على مدى سنوات لفيض ذلك النبي الأعظم وآله الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، الذي قال فيه الله تبارك وتعالى:
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [سورة الجمعة: 2]…
ليس هناك تخصص علمي يمكنه الاقتراب من هذا المعنى أكثر من الحوزة؛ نعم، هناك من استطاعوا التوفيق بين التخصص العلمي والنهل من هذا النبع الأصفى، فكانوا رافدًا أو سندًا أقوى للحوزوي في هذا الجانب. ونقول سندًا لأن العقيدة والفقه - وهما الأهم - عُجِنَا بيد الحوزوي، والجميع حجر أساس في حلقة التكامل الإنساني الديني.
فالحوزوي على تماس مع العلوم الدخيلة في تحقيق هدف الرسل:
• العقائد «على النهجين الكلامي والعقلي أو الفلسفي»… الأساس الذي يُبنى عليه الدين.
• الفقه… قوانين الحركة في هذا الكون.
• الأخلاق… هندسة العالم الداخلي على مقاييس ومعايير السماء.
• الحديث «الرواية» والتفسير… غوص في محيطات سماء القرآن الكريم والعترة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
لذلك، الحوزوي - المتفرغ للدراسة الحوزوية - يحتاج إلى سند من المجتمع لإكمال هذه المهمة المقدسة على أكمل وجه، لا مزاحمته عليها:
«العامِلُ بِجَهْلٍ كَالسّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ، فَلَا يُجْدِيهِ جِدُّهُ فِي السَّيْرِ إِلَّا بُعْدًا عَنْ حَاجَتِهِ».
فمن الوعي بالذات الاعتراف بجهل النفس في القضايا التي لا يملك فيها الزاد الكافي للحكم.
• هل بهذا نمنح العصمة للحوزوي؟
• ماذا إذا اختلف الحوزويون؟
- العصمة للنبع الصافي الثابت «القرآن الكريم والروايات الشريفة والسيرة العطرة للمعصومين»، وما عدا ذلك خاضع للاجتهاد بما قرره الحوزويون أنفسهم.
- أما في حال الاختلاف بين الحوزويين - وهذا حاصل أصلًا في الفقه، وهو نتيجة لفتح باب الاجتهاد - فالطريق السليم هو أن كُلًّا يتبع مرجعه أو ثقته من أهل العلم، ولا حاجة للتحشيد هنا أو هناك؛ فالأسلم للمجتمع الصمت وترك النقاش داخل أروقة الحوزة وحلقاتها، ويكتفي بالاتباع مع المناقشة الهادفة لا التعنتية:
«فَاسْأَلِ العُلَمَاءَ مَا جَهِلْتَ، وَإيَّاكَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ تَعَنُّتًا وَتَجْرِبَةً…».
وهذا هو الطريق الأسلم حتى في أعقد القضايا الخلافية.
زمن الغيبة زمن عصيب على الإسلام والمسلمين، فعلينا أن نعمل بوعي رسالي لنحقق ما أراده الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بغض النظر عن الكثير من الأمور، والتركيز على الأهم:
1. ما الذي نحتاجه من الحوزوي؟
رأي الدين في قضايانا العقدية والفقهية والأخلاقية وما إلى ذلك.
2. ما الذي نحتاجه من المجتمع؟
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة المائدة: 2].
- من البر تكريم من نفروا لطلب العلم نيابة عنّا.
- والتحلي بالتقوى في كل الأمور، خصوصًا القضايا التي لا توافق مزاجنا من الأحكام وغيرها، التي يوصلها لنا من نفروا لإيصال النور المحمدي إلينا.
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة فصلت: 34].
عن مولى الزمان عجل الله فرجه الشريف:
«… إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء…».
















