آخر تحديث: 3 / 2 / 2026م - 8:55 م

الهوى سلطان

سوزان آل حمود *

خلف كل باب مغلق، وفي تفاصيل كل مقهى يجمع غريبين! تنسج خيوط خفية تحكم علاقات البشر. نحن نعيش في عالم تحكمه القوانين، وتقيده العادات، وتؤطره المصالح، لكن هناك ”قوة خفية“ أعتى من كل ذلك، قوة تجعل الحكيم يتلعثم، والذكي يتخبط، والحر يستسلم لقيوده طواعية. إنها سلطة المشاعر التي تضرب بجذورها في أعماق النفس، فنجد أنفسنا مقيدين بأشخاص لا يمنحوننا سوى الوجع، ومتمسكين بعلاقات تستنزف أرواحنا، تحت ذريعة واهية نرددها بضعف: ”الهوى سلطان“.

لماذا نتمسك بالخيبات؟

لماذا نتمسك بأفراد غير نافعين في حياتنا؟ أشخاص لا يقدمون لنا سوى الإهمال، أو التهميش، أو الأذى النفسي؟

الإجابة تكمن في انحياز ”الهوى“ الذي يعمي البصيرة. نحن لا نحب هؤلاء الأشخاص لما يقدمونه لنا، بل نحب ”الصورة“ التي رسمناها لهم في مخيلتنا، أو نتمسك بـ ”الاعتياد“ الذي جعل الفراق أصعب من البقاء في الجحيم.

المشكلة تبدأ حين تتحول المشاعر من ”بوصلة“ للراحة إلى ”سجان“ يمنعنا من المغادرة. إن تمسكنا بالعلاقات السامة ليس دليلاً على الوفاء، بل هو في الغالب دليل على فقدان الاتزان بين القلب والعقل، حيث يطغى ميل الهوى فيتحكم في الأحاسيس، ويجعلنا نرى القيد سواراً من ذهب.

ذريعة الهروب من المسؤولية

لقد اعتدنا استخدام عبارة ”الهوى سلطان“ كغطاء شرعي لتخبطاتنا الحياتية. حين نفشل في وضع حد لعلاقة مؤذية، نقول ”الهوى سلطان“. وحين نستمر في العطاء لمن لا يستحق، نقول ”الهوى سلطان“.

لكن الحقيقة أن هذه العبارة أصبحت شماعة نعلق عليها ضعف إرادتنا. الهوى ليس سلطاناً مطلقاً إلا إذا سلمناه نحن مفاتيح مدينتنا. إن جعل الهوى ذريعة لكل تخبط يعني التخلي عن أسمى ما نملك: الوعي والقدرة على الاختيار. فالمشاعر، مهما بلغت قوتها، يجب أن تمر بفلتر الكرامة والقيمة الشخصية.

مجاهدة الهوى.. معركة البقاء والارتقاء

إن العلاقات التي لا تدفعك للأمام، والتي تطفئ بريق عينيك، ليست قدراً محتوماً. إن الاستسلام لميل النفس نحو من يكسرها هو نوع من ”الاستلاب الذاتي“. المجاهدة هنا ليست قسوة على القلب، بل هي منتهى الرحمة به. أن تجاهد نفسك يعني أن تختار ”سلامك النفسي“ على ”لذة مؤقتة“ تتبعها شهور من الانكسار.

في ختام هذا التيه العاطفي، قف أمام مرآة روحك واسأل:

• إلى متى يظل ”الهوى“ هو الحاكم المستبد الذي ينفي عقلك خارج حدود المنطق؟

• أليست نفسك عزيزة بما يكفي لتنتشلها من وحل علاقات لا تليق بمقامك؟

• هل خُلقت لتكون تابعاً لسراب، أم لتكون سيداً على قراراتك؟

إن كانت نفسك عزيزة عليك حقاً، فاعلم أن العزة لا تنال بالأماني، بل بـ المجاهدة. فمن استطاع أن ينتصر على ”هواه“ فقد حاز على أعظم ملك، ومن ترك الحبل على الغارب للهوى، فلا يلومنّ إلا نفسه حين يجدها غريبة في وطن الضياع. فهل أنت مستعد لتخلع تاج هذا السلطان المزيف وتسترد ملكك؟