آخر تحديث: 3 / 2 / 2026م - 8:55 م

قدسية الحدث وإدارة الحشود

تُعدّ ليلة النصف من شعبان من المحطات الروحية العظيمة التي أكّد عليها أئمة أهل البيت ، وبيّنوا فضلها ومكانتها الخاصة عند الله تعالى، فقد ورد عن الإمام محمد الباقر قوله:

”هي أفضل ليلة بعد ليلة القدر، ففيها يمنّ الله على عباده ويغفر لهم بمنّه، فاجتهدوا في القرب إلى الله تعالى فيها، فإنها ليلة آلى الله على نفسه أن لا يردّ فيها سائلًا ما لم يسأل معصية“.

وعن الإمام الصادق أنه قال:

”من أحيا ليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب“،

وورد عنه أيضًا قوله:

”إذا كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها وصوموا نهارها، فإن الله تبارك وتعالى يقول: ألا من مستغفر فاغفر له، ألا من سائل فأعطيه“.

وفي هذه الليلة المباركة، تتسع دائرة العبادة لتشمل الروابط الاجتماعية والإنسانية، حيث تتلاقى فيها القلوب قبل الأجساد، ويشعر فيها الإنسان بأنه جزء من جماعة توحّدها الغاية وتجمعهم القيم.

غير أن قدسية الحدث لا تقتصر على طقوسه وشعائره وحدها، بل تمتد إلى السلوك الواعي في تفاصيل الحياة اليومية، واحترام المكان، والإنفاق على الضعفاء والمحتاجين، وتحمل المسؤولية، والالتزام بالنظام العام؛ فكل تصرف بسيط مخالف للشرع والأخلاق والذوق العام، مهما بدا غير مؤثر في لحظته، قد يكون لبنة في بناء صورة مشوهة للمناسبة، أو شرارة لمشكلة أكبر في الأعوام القادمة.

من المشكلات الصغيرة إلى الأزمات الكبيرة

ما نواجهه اليوم من القضايا الصحية والبيئية والاجتماعية … لم يولد فجأة، بل كان نتيجة تراكمات طويلة من أفعال وسلوكيات صغيرة تم تجاهلها أو التقليل من شأنها في الماضي، فهي وإن بدأت فردية وبسيطة في نظر البعض، إلا أنها حين تتكرر في سياق حشود كبيرة تتحول إلى ظواهر عامة تؤثر على سلامة الجميع وتشوه صورة المناسبة وقدسيتها.

وتُظهر تجارب إدارة الحشود في مواسم كبرى مثل الحج والعمرة في مكة المكرمة، والزيارات المليونية في المدينة المنورة، وكذلك في المهرجانات والفعاليات العالمية، حقيقة جوهرية مفادها أن نسبة كبيرة من المخاطر لا تنشأ من الحشود ذاتها، بل من السلوكيات الفردية الصغيرة داخلها.

وهنا قد يتساءل الفرد:

كيف يمكن لتصرف فردي مهما بدا بسيطًا أن يؤثر على سلامة وراحة الآخرين وقدسية المناسبة؟ وما هي العادة التي نستطيع تغييرها اليوم لنصنع أثرًا كبيرًا في الغد؟

في بيئات الحشود، الفعل الفردي لا يبقى فرديًا في الغالب، بل يتحول إلى سلوك مرئي قابل للتكرار، وما يُرى كثيرًا يُصبح مألوفًا، وما يصبح مألوفًا يتحول إلى قاعدة غير مكتوبة، حتى لو كانت قاعدة خاطئة، وهنا تكمن الخطورة: حين تتراكم الهفوات الصغيرة لتبني أزمة كبيرة تشوه صورة المناسبة وتثقل كاهل القائمين عليها، بل وتؤذي المشاركين والفاعلين فيها.

فعلى سبيل المثال، يبدأ التلوث البيئي بكيس مهمل على الأرض، وتبدأ المشكلة الصحية بإهمال إجراء وقائي بسيط، وقد ينشأ التوتر الاجتماعي من كلمة أو تصرف غير محسوب، ومع مرور الوقت تتراكم هذه الصغائر لتصبح أزمات حقيقية يصعب احتواؤها.

تجربة زمباردو ونظرية ”النافذة المكسورة“

ولأن أثر السلوك الفردي في البيئة العامة حقيقة مدروسة لا مجرد انطباع، فقد تناولها علماء الاجتماع وعلم النفس بتجارب ونظريات أصبحت مرجعًا في فهم سلوك الأفراد والجماعات.

ففي عام 1969 م أجرى عالم النفس والاجتماع فيليب زمباردو تجربة شهيرة ترك فيها سيارتين متشابهتين بأبواب مفتوحة ولوحات أرقام مفقودة في منطقتين مختلفتين، إحداهما في حي فقير، والأخرى كانت في حي غني. بدأ المارة في الحي الفقير بسرقة وتخريب السيارة في بضع دقائق، وتم تدميرها بالكامل في غضون ثلاثة أيام، بينما تطلّب الأمر وقتًا أطول للمارة في المنطقة الغنية لبدء تدمير السيارة، مما تطلّب زمباردو على التدخل بكسر إحدى نوافذ السيارة، فبدأ الناس بكسر المزيد من النوافذ وسرقة السيارة، واستغرق الأمر وقتًا مشابهًا للحي الفقير، وتحولت السيارة بالكامل إلى خردة في بضعة أيام.

وفي عام، 1982 م، أي بعد ثلاثة عشر عامًا، تابع عالمان آخران دراسة الباحث زمباردو وملاحظاته عن طريق إجراء دراسات مماثلة على مبانٍ وممتلكات أخرى في مناطق مختلفة، واستحدثا نظرية أطلقا عليها ”نظرية النافذة المكسورة“، والتي تم اقتباسها في العديد من دراسات وكتب علم الاجتماع. وتتخلص هذه النظرية في أن إهمال معالجة أي مشكلة في بيئة ما، بغض النظر عن صغر حجمها، سيؤثر على مواقف الناس وتصرفاتهم تجاه تلك البيئة بشكل سلبي، مما يؤدي إلى مشاكل أكثر وأكبر، والعكس صحيح؛ فمعالجة المشاكل الصغيرة في وقت سريع تؤدي إلى بيئة أفضل وسلوك أحسن.

وقد لخّص الفيلسوف الإنجليزي إدموند بيرك هذا المعنى بقوله:

”لا يحتاج الشر إلى أن ينتصر، سوى أن يقف الأخيار متفرجين“.

وإذا أسقطنا هذا المفهوم على مناسبة النصف من شعبان ندرك بوضوح أن المشكلة لا تكمن دائمًا في سوء نية الأفراد، بل في السياق العام، أو الازدحام، أو غياب التوجيه أو النظام.

وعندما يشعر الفرد بأنه مجرد جزء صغير أو رقم في حشد كبير بلا رقابة أو توجيه، فقد يتخلى لا شعوريًا عن بعض معاييره السلوكية، أما حين يُمنح دورًا ومسؤولية ويشعر بأهمية تصرفه في سلامة الآخرين، فإنه غالبًا ما يرتقي بسلوكه إلى مستوى الحدث وقدسيته.

وقد أشار عالم الاجتماع إميل دوركايم إلى هذه الفكرة حين قال: ”إنّ الفرد في الجماعة يكتسب روحًا جديدة“، قد ترفعه أخلاقيًا أو تُضعفه، تبعًا للبيئة والقيم السائدة من حوله.

نحو ثقافة وعي مستدامة: ابدأ بنفسك

إن الحفاظ على قدسية مناسبة النصف من شعبان لا يتحقق فقط عبر ترك الأمور تسير بالبركة، بل من خلال بناء ثقافة وعي مستدامة تبدأ من الفرد وتمتد إلى المجتمع بأسره؛ ثقافة تُعلّم أن احترام الطريق عبادة، وأن المحافظة على النظافة سلوك إيماني، وأن ضبط النفس ومراقبتها عن ممارسة الحرام في الزحام صورة من صور الأخلاق التي تجسد روح المناسبة. وقد قال المهاتما غاندي في معنى قريب: ”كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في العالم“.

ومن بين كل السلوكيات الممكنة تبرز عادة بسيطة في ظاهرها عظيمة في أثرها، هي ”اترك المكان كما تحب أن تجده“، لأنها تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والفضاء المشترك، فتحوّل الحضور في المناسبات الدينية من وجود شكلي إلى مسؤولية سلوكية واعية.

وفي دراسات إدارة الحشود التي أُجريت خلال مواسم الحج والعمرة، تبيّن أن السلوكيات الفردية والانضباط الحركي تُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في تقليل الحوادث، وذلك لأن الأفراد يتأثرون بالسلوك المرئي أكثر من التعليمات المكتوبة أو التنبيهات الصوتية؛ فحين يرى الإنسان من يلتقط نفاية، أو يفسح طريقًا، أو يُساعد متعثرًا أو طفلًا … فإن هذا الفعل البسيط يعيد تعريف ”المقبول اجتماعيًا“ في ذهنه، فيميل إلى تقليده دون شعور، وبذلك تنتقل المسؤولية من فرد إلى جماعة، ومن مبادرة عابرة إلى ثقافة عامة.

ختامًا: ليلة في حياة أمة

إن ليلة النصف من شعبان ليست لحظة عابرة في التقويم، بل اختبار حيّ لصدق ما نحمله من إيمان وقيم ومبادئ في سلوكنا، ففي هذه الليلة التي تُكتب فيها المقادير وتُفتح فيها الأبواب، تُكتب أيضًا صورتنا في ذاكرة المناسبة والناس، فكل تصرف نقوم به، مهما بدا صغيرًا، هو توقيع خاص أو بصمة إبهام على هذه المناسبة: إما أن يكون شاهدًا لنا أو شاهدًا علينا.

أنت لست رقمًا في حشد، أو جسدًا في زحام، أو عابرًا في طريق، بل أنت روح تحمل أثرًا، وخطوة تصنع مسارًا، ومثالًا قد يغيّر عشرات من حولك دون أن تشعر؛ فلنجعل وجودنا طمأنينة لا عبئًا، ونورًا لا فوضى، ورحمة لا أذى، ليبقى أثر هذه الليلة ممتدًا في الواقع كما هو ممتد في السماء، فيرضى عنا الله ورسوله والمؤمنون.

وكل عام وأنتم بخير.